كان في شأني، فأيد ذلك ملمحاً إلى أن أميركا وبريطانيا تضغطان بشدة على الحكومة الفرنسية لتسليمي، ومشيراً إلى التقرير الذي قدمه المسيو ليون بلوم إلى الحكومة الفرنسية في هذا الشأن.
تلك الظروف والأوضاع أشعرتني بالقلق والحرج، فرأيت أنه لا بد لي من مغادرة فرنسا، ووطنت نفسي على ذلك في أول فرصة أتمكن فيها من تهيئة وسائل الخروج في تلك الظروف الصعبة، التي لم تكن وسائل السفر فيها متوفرة، فقد كان معظم المواصلات الجوية عسكرياً، وكانت المواصلات البحرية خاضعة لمراقبة شديدة، ولكني صممت على الخروج من فرنسا بأية وسيلة.
وكانت إقامتنا بفرنسا في الشهور الأولى، في «لافارين» تحت حراسة السلطات الفرنسية، لكننا لم نستطع أن نمكث في منزلنا بتلك الضاحية إلا بضعة شهور لأنها كانت شديدة الرطوبة وشعرنا بآلام الروماتيزم تسري في مفاصلنا، وانتقلنا منها بموافقة الحكومة الفرنسية إلى «لوفسيان» حيث استأجرنا داراً قائمة على مرتفعات ضاحية «بوجيفال» على بعد ١٨ كيلومتراً من باريس على طريق فرنسي تحيط بها أشجار باسقة كثيرة، ولم يكن يتصل بنا خلال إقامتنا بفرنسا غير المسيو بونسو المكلف بذلك من السلطات الفرنسية. وكان مكان إقامتنا مكتوماً عن كل أحد، إلا من أذنت له السلطة بزيارتنا.
واذكر ممن زارنا المرحوم الدكتور محمود عزمي رئيس وفد مصر إلى الأمم المتحدة حينئذ، فكان مما قاله لي أن قبول الدول العربية للكتاب الأبيض البريطاني الصادر عام ١٩٣٩ (وهو الكتاب الذي لامني بعض الناس لرفضي إياه) قد كان خطأ، وأن تهافتهم عليه قد أعطى اليهود الحجة على أنه مجحف بهم، وقالوا أنه لو كان عادلاً لما قبله العرب، ورغم قبول العرب للكتاب الأبيض ظل اليهود رافضين له، ولذلك لم تنفذ الحكومة البريطانية شيئاً منه.
واذكر أيضاً زيارة وفد لبنان إلى الأمم المتحدة في باريس عائداً من نيويورك وقد كان من أبرز أعضائه المرحوم رياض بك الصلح، وحميد بك فرنجية متعه الله بالصحة والعافية، وقد أبى الوفد دعوتنا إلى تناول طعام الغداء وكانت فرصة سانحة أنسنا فيها بهذا اللقاء، وكان من رافق الوفد في تلك الزيارة الصحفي المعروف الأستاذ حنا غصن، وكعادتنا رجوناه ألا يطلعوا أحداً على مكاننا، ولكن صديقاً للأستاذ غصن من محرري جريدة «لوموند» الفرنسية استطاع أن يعرف مكاننا، فلم تغض على تلك