مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 234

Normalized
transcript

كان في شأني، فأيد ذلك ملمحاً إلى أن أميركا وبريطانيا تضغطان بشدة على الحكومة الفرنسية لتسليمي، ومشيراً إلى التقرير الذي قدمه المسيو ليون بلوم إلى الحكومة الفرنسية في هذا الشأن.

تلك الظروف والأوضاع أشعرتني بالقلق والحرج، فرأيت أنه لا بد لي من مغادرة فرنسا، ووطنت نفسي على ذلك في أول فرصة أتمكن فيها من تهيئة وسائل الخروج في تلك الظروف الصعبة، التي لم تكن وسائل السفر فيها متوفرة، فقد كان معظم المواصلات الجوية عسكرياً، وكانت المواصلات البحرية خاضعة لمراقبة شديدة، ولكني صممت على الخروج من فرنسا بأية وسيلة.

وكانت إقامتنا بفرنسا في الشهور الأولى، في «لافارين» تحت حراسة السلطات الفرنسية، لكننا لم نستطع أن نمكث في منزلنا بتلك الضاحية إلا بضعة شهور لأنها كانت شديدة الرطوبة وشعرنا بآلام الروماتيزم تسري في مفاصلنا، وانتقلنا منها بموافقة الحكومة الفرنسية إلى «لوفسيان» حيث استأجرنا داراً قائمة على مرتفعات ضاحية «بوجيفال» على بعد ١٨ كيلومتراً من باريس على طريق فرنسي تحيط بها أشجار باسقة كثيرة، ولم يكن يتصل بنا خلال إقامتنا بفرنسا غير المسيو بونسو المكلف بذلك من السلطات الفرنسية. وكان مكان إقامتنا مكتوماً عن كل أحد، إلا من أذنت له السلطة بزيارتنا.

واذكر ممن زارنا المرحوم الدكتور محمود عزمي رئيس وفد مصر إلى الأمم المتحدة حينئذ، فكان مما قاله لي أن قبول الدول العربية للكتاب الأبيض البريطاني الصادر عام ١٩٣٩ (وهو الكتاب الذي لامني بعض الناس لرفضي إياه) قد كان خطأ، وأن تهافتهم عليه قد أعطى اليهود الحجة على أنه مجحف بهم، وقالوا أنه لو كان عادلاً لما قبله العرب، ورغم قبول العرب للكتاب الأبيض ظل اليهود رافضين له، ولذلك لم تنفذ الحكومة البريطانية شيئاً منه.

واذكر أيضاً زيارة وفد لبنان إلى الأمم المتحدة في باريس عائداً من نيويورك وقد كان من أبرز أعضائه المرحوم رياض بك الصلح، وحميد بك فرنجية متعه الله بالصحة والعافية، وقد أبى الوفد دعوتنا إلى تناول طعام الغداء وكانت فرصة سانحة أنسنا فيها بهذا اللقاء، وكان من رافق الوفد في تلك الزيارة الصحفي المعروف الأستاذ حنا غصن، وكعادتنا رجوناه ألا يطلعوا أحداً على مكاننا، ولكن صديقاً للأستاذ غصن من محرري جريدة «لوموند» الفرنسية استطاع أن يعرف مكاننا، فلم تغض على تلك

English
translation

was about me. He confirmed this, indicating that America and Britain were exerting strong pressure on the French government to hand me over and referring to the report that Monsieur Léon Blum had submitted to the French government on this matter.

Those circumstances and conditions made me anxious and embarrassed. I therefore saw that I had to leave France and resolved to do so at the first opportunity when I could prepare the means of departure in those difficult circumstances, when travel was not readily available. Most air transport was military, and maritime transport was subject to close monitoring. I nevertheless decided to leave France by any means.

During the first months of our stay in France, we were in La Varine under the guard of the French authorities. We could remain in our house in that suburb for only a few months because it was extremely damp and we felt rheumatic pain spreading through our joints. With the approval of the French government, we moved from there to Louveciennes, where we rented a house on the heights of the Bougival suburb, eighteen kilometers from Paris, on a French road surrounded by many tall trees. During our stay in France, the only person who had contact with us was Monsieur Bonso, who had been assigned this duty by the French authorities. The place where we stayed was kept secret from everyone except those whom the authorities permitted to visit us.

Among those who visited us was the late Dr. Mahmoud Azmi, then head of Egypt’s delegation to the United Nations. He told me that the Arab states’ acceptance of the British White Paper issued in 1939, the paper for whose rejection some people blamed me, had been a mistake. Their eagerness to accept it had given the Jews an argument that it was unjust to them: they said that if it had been fair, the Arabs would not have accepted it. Despite the Arabs’ acceptance of the White Paper, the Jews continued to reject it, and therefore the British government implemented none of it.

I also remember the visit of the Lebanese delegation to the United Nations in Paris on its return from New York. Among its prominent members were the late Riyad Bey al-Solh and Hamid Bey Frangieh, may God grant him health and well-being. The delegation refused our invitation to lunch, and it was a welcome opportunity in which we took pleasure from the meeting. The well-known journalist Mr. Hanna Ghosen accompanied the delegation on that visit. As was our custom, we asked them not to tell anyone where we were staying, but a friend of Mr. Ghosen who worked for the French newspaper Le Monde managed to discover our location. It was not long after that visit

Analysis

This page completes the author’s account of British and American pressure on France, then describes his decision to leave France, the move from La Varine to Louveciennes, and visits from Arab and Lebanese officials. It is especially significant for the author’s account of the 1939 British White Paper, his claim that Jewish rejection undermined its implementation, and the secrecy surrounding his residence. The page ends by setting up the alleged assassination attempt described on page 235. These are source-owned memoir claims and require independent historical verification.

Raw transcript

كان في شأني، فأيد ذلك ملمحاً إلى أن أميركا وبريطانيا تضغطان بشدة على الحكومة الفرنسية لتسليمي، ومشيراً إلى التقرير الذي قدمه المسيو ليون بلوم إلى الحكومة الفرنسية في هذا الشأن.

تلك الظروف والأوضاع أشعرتني بالقلق والحرج، فرأيت أنه لا بد لي من مغادرة فرنسا، ووطنت نفسي على ذلك في أول فرصة أتمكن فيها من تهيئة وسائل الخروج في تلك الظروف الصعبة، التي لم تكن وسائل السفر فيها متوفرة، فقد كان معظم المواصلات الجوية عسكرياً، وكانت المواصلات البحرية خاضعة لمراقبة شديدة، ولكني صممت على الخروج من فرنسا بأية وسيلة.

وكانت إقامتنا بفرنسا في الشهور الأولى، في «لافارين» تحت حراسة السلطات الفرنسية، لكننا لم نستطع أن نمكث في منزلنا بتلك الضاحية إلا بضعة شهور لأنها كانت شديدة الرطوبة وشعرنا بآلام الروماتيزم تسري في مفاصلنا، وانتقلنا منها بموافقة الحكومة الفرنسية إلى «لوفسيان» حيث استأجرنا داراً قائمة على مرتفعات ضاحية «بوجيفال» على بعد ١٨ كيلومتراً من باريس على طريق فرنسي تحيط بها أشجار باسقة كثيرة، ولم يكن يتصل بنا خلال إقامتنا بفرنسا غير المسيو بونسو المكلف بذلك من السلطات الفرنسية. وكان مكان إقامتنا مكتوماً عن كل أحد، إلا من أذنت له السلطة بزيارتنا.

واذكر ممن زارنا المرحوم الدكتور محمود عزمي رئيس وفد مصر إلى الأمم المتحدة حينئذ، فكان مما قاله لي أن قبول الدول العربية للكتاب الأبيض البريطاني الصادر عام ١٩٣٩ (وهو الكتاب الذي لامني بعض الناس لرفضي إياه) قد كان خطأ، وأن تهافتهم عليه قد أعطى اليهود الحجة على أنه مجحف بهم، وقالوا أنه لو كان عادلاً لما قبله العرب، ورغم قبول العرب للكتاب الأبيض ظل اليهود رافضين له، ولذلك لم تنفذ الحكومة البريطانية شيئاً منه.

واذكر أيضاً زيارة وفد لبنان إلى الأمم المتحدة في باريس عائداً من نيويورك وقد كان من أبرز أعضائه المرحوم رياض بك الصلح، وحميد بك فرنجية متعه الله بالصحة والعافية، وقد أبى الوفد دعوتنا إلى تناول طعام الغداء وكانت فرصة سانحة أنسنا فيها بهذا اللقاء، وكان من رافق الوفد في تلك الزيارة الصحفي المعروف الأستاذ حنا غصن، وكعادتنا رجوناه ألا يطلعوا أحداً على مكاننا، ولكن صديقاً للأستاذ غصن من محرري جريدة «لوموند» الفرنسية استطاع أن يعرف مكاننا، فلم تغض على تلك