حديثة لتقييد المعتقلين، وبعد قيد الأسماء وإنهاء عملية التسلم والتسليم، اركب إخواننا الطائرة إلى وجهة غير معلومة، وبعد طيران ساعة ونصف ساعة هبطت الطائرة بهم في مطار بور كسل، وما لبثوا أن نقلوا منه إلى السجن العسكري وألبسوا ملابس السجناء، وسيقوا إلى زنزانات مكثوا فيها شهراً يعاملون معاملة غير لائقة، وبعد تحقيق آخر في أمرهم نقلوا من زنزانات إلى غرفة واحدة كبيرة، ومكثوا في هذا السجن تسعة شهور على هذه الحال الأليمة.
كان الدكتور محمد معروف الدواليبي (رئيس وزراء سورية فيما بعد) في طليعة من عرفناهم خلال إقامتنا في اوروبة في سني الحرب من الفضلاء الشرفاء، وكان مقيماً بباريس للحصول على الدكتوراه من جامعة السوربون، ويزورنا في برلين بين حين وآخر، وظل على عهدنا به من المودة والمروءة بعد انهيار المانيا وإقامتنا بفرنسا، وقد حفزته همته ومروءته للعناية بإخواننا السجناء في بور كسل، واتفقنا على توكيل محام فرنسي للعناية بأمرهم والدفاع عنهم لدى السلطات المحتلة والرسمية، وتم اختيار المحامي المسيو «اوجول» لهذه الغاية، فأخذ الدكتور الدواليبي والمسيو اوجول يوليان العناية بأمرهم، ويتفقدان شؤونهم ومصيرهم. وقد اهتمت المفوضيتان السورية واللبنانية في باريس بأمر رعاياهما المسجونين من رفاقنا، وكان للوزيرين المفوضين أحمد بك الداعوق والمرحوم عدنان بك الأتاسي مساع مشكورة لإطلاق سراحهم، وقد اقترنت المساعي بالنجاح، وتمكن أولئك الإخوان من العودة إلى بلادهم...
أما إخواننا الفلسطينيون فلم تكن لهم دولة ترعى شؤونهم وتهتم لأمرهم، وساءت حالهم فاضربوا عن الطعام احتجاجاً على ما كانوا يلقونه من سوء المعاملة، وعلى أثر ذلك عملت السلطات البريطانية على نقلهم من بور كسل إلى جزر سيشل بطائرة خاصة في الأسبوع الأول من شهر شباط ١٩٤٦ حيث قضوا فيها أربعة أشهر، وساءت صحة بعضهم، فسمح لهم بالسفر إلى القاهرة، وبقي الآخرون سبعة أشهر آخر سمح لهم بعدها بالسفر إلى القاهرة.
*
لم يسبق لي أن تحدثت عن كيفية خروجي من فرنسا إلى القاهرة وإن كانت الصحف والبرقيات تحدثت عنها كثيراً. وقد حرصت على كتمانها لبعض الاعتبارات، أما الآن فلم يعد ما يحول دون ذكرها وإلا ظلت هذه الناحية حلقة مفقودة في سلسلة هذه المذكرات.