مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 243

Normalized
transcript

حديثة لتقييد المعتقلين، وبعد قيد الأسماء وإنهاء عملية التسلم والتسليم، اركب إخواننا الطائرة إلى وجهة غير معلومة، وبعد طيران ساعة ونصف ساعة هبطت الطائرة بهم في مطار بور كسل، وما لبثوا أن نقلوا منه إلى السجن العسكري وألبسوا ملابس السجناء، وسيقوا إلى زنزانات مكثوا فيها شهراً يعاملون معاملة غير لائقة، وبعد تحقيق آخر في أمرهم نقلوا من زنزانات إلى غرفة واحدة كبيرة، ومكثوا في هذا السجن تسعة شهور على هذه الحال الأليمة.

كان الدكتور محمد معروف الدواليبي (رئيس وزراء سورية فيما بعد) في طليعة من عرفناهم خلال إقامتنا في اوروبة في سني الحرب من الفضلاء الشرفاء، وكان مقيماً بباريس للحصول على الدكتوراه من جامعة السوربون، ويزورنا في برلين بين حين وآخر، وظل على عهدنا به من المودة والمروءة بعد انهيار المانيا وإقامتنا بفرنسا، وقد حفزته همته ومروءته للعناية بإخواننا السجناء في بور كسل، واتفقنا على توكيل محام فرنسي للعناية بأمرهم والدفاع عنهم لدى السلطات المحتلة والرسمية، وتم اختيار المحامي المسيو «اوجول» لهذه الغاية، فأخذ الدكتور الدواليبي والمسيو اوجول يوليان العناية بأمرهم، ويتفقدان شؤونهم ومصيرهم. وقد اهتمت المفوضيتان السورية واللبنانية في باريس بأمر رعاياهما المسجونين من رفاقنا، وكان للوزيرين المفوضين أحمد بك الداعوق والمرحوم عدنان بك الأتاسي مساع مشكورة لإطلاق سراحهم، وقد اقترنت المساعي بالنجاح، وتمكن أولئك الإخوان من العودة إلى بلادهم...

أما إخواننا الفلسطينيون فلم تكن لهم دولة ترعى شؤونهم وتهتم لأمرهم، وساءت حالهم فاضربوا عن الطعام احتجاجاً على ما كانوا يلقونه من سوء المعاملة، وعلى أثر ذلك عملت السلطات البريطانية على نقلهم من بور كسل إلى جزر سيشل بطائرة خاصة في الأسبوع الأول من شهر شباط ١٩٤٦ حيث قضوا فيها أربعة أشهر، وساءت صحة بعضهم، فسمح لهم بالسفر إلى القاهرة، وبقي الآخرون سبعة أشهر آخر سمح لهم بعدها بالسفر إلى القاهرة.

*

لم يسبق لي أن تحدثت عن كيفية خروجي من فرنسا إلى القاهرة وإن كانت الصحف والبرقيات تحدثت عنها كثيراً. وقد حرصت على كتمانها لبعض الاعتبارات، أما الآن فلم يعد ما يحول دون ذكرها وإلا ظلت هذه الناحية حلقة مفقودة في سلسلة هذه المذكرات.

English
translation

with modern restraints for binding the detainees. After the names had been registered and the transfer process completed, our brothers boarded the aircraft for an unknown destination. After an hour and a half of flight, the aircraft landed them at Bour Ksel Airport. They were soon transferred from there to the military prison, dressed in prisoners’ clothing, and led to cells where they remained for a month, treated improperly. After another investigation into their case, they were moved from the cells to one large room, and they remained in that prison in this painful condition for nine months.

Dr. Muhammad Ma‘ruf al-Dawalibi, later prime minister of Syria, was among the first of the honorable and virtuous people we came to know during our stay in Europe in the years of the war. He lived in Paris to obtain a doctorate from the Sorbonne and visited us in Berlin from time to time. He remained as devoted and chivalrous toward us after Germany’s collapse and our residence in France as he had been before. His energy and chivalry moved him to care for our imprisoned brothers in Bour Ksel. We agreed to appoint a French lawyer to care for their case and defend them before the occupying and official authorities. The lawyer Monsieur Augol was selected for this purpose. Dr. al-Dawalibi and Monsieur Augol then devoted themselves to their affairs and followed their condition and fate.

The Syrian and Lebanese legations in Paris also took an interest in their imprisoned nationals among our companions. The ministers plenipotentiary Ahmad Bey al-Daouk and the late Adnan Bey al-Atasi made commendable efforts to secure their release. These efforts succeeded, and those brothers were able to return to their countries.

As for our Palestinian brothers, they had no state to look after their affairs and take an interest in their situation. Their condition worsened, so they went on hunger strike in protest against the mistreatment they suffered. As a result, the British authorities transferred them from Bour Ksel to the Seychelles by a special aircraft in the first week of February 1946. They remained there for four months. Some of them became ill, and they were permitted to travel to Cairo. The others remained for another seven months, after which they too were permitted to travel to Cairo.

*

I had never before spoken about how I left France for Cairo, although the newspapers and telegrams had reported it extensively. I had been careful to keep it secret for certain reasons. Now there is no longer anything preventing me from mentioning it, or this aspect would remain a missing link in the chain of these memoirs.

Analysis

This page completes the Bad Gastein transfer and detention narrative, records Dr. Muhammad Ma‘ruf al-Dawalibi’s legal assistance, and distinguishes the release of Syrian and Lebanese prisoners from the continued detention and transfer of Palestinians to the Seychelles. It then closes with the author’s statement that his escape from France has not previously been described. The page is especially significant for the different treatment attributed to prisoners by nationality and for the memoir’s transition from detention history to escape narrative. These claims and the uncertain place identification require independent verification.

Raw transcript

حديثة لتقييد المعتقلين، وبعد قيد الأسماء وإنهاء عملية التسلم والتسليم، اركب إخواننا الطائرة إلى وجهة غير معلومة، وبعد طيران ساعة ونصف ساعة هبطت الطائرة بهم في مطار بور كسل، وما لبثوا أن نقلوا منه إلى السجن العسكري وألبسوا ملابس السجناء، وسيقوا إلى زنزانات مكثوا فيها شهراً يعاملون معاملة غير لائقة، وبعد تحقيق آخر في أمرهم نقلوا من زنزانات إلى غرفة واحدة كبيرة، ومكثوا في هذا السجن تسعة شهور على هذه الحال الأليمة.

كان الدكتور محمد معروف الدواليبي (رئيس وزراء سورية فيما بعد) في طليعة من عرفناهم خلال إقامتنا في اوروبة في سني الحرب من الفضلاء الشرفاء، وكان مقيماً بباريس للحصول على الدكتوراه من جامعة السوربون، ويزورنا في برلين بين حين وآخر، وظل على عهدنا به من المودة والمروءة بعد انهيار المانيا وإقامتنا بفرنسا، وقد حفزته همته ومروءته للعناية بإخواننا السجناء في بور كسل، واتفقنا على توكيل محام فرنسي للعناية بأمرهم والدفاع عنهم لدى السلطات المحتلة والرسمية، وتم اختيار المحامي المسيو «اوجول» لهذه الغاية، فأخذ الدكتور الدواليبي والمسيو اوجول يوليان العناية بأمرهم، ويتفقدان شؤونهم ومصيرهم. وقد اهتمت المفوضيتان السورية واللبنانية في باريس بأمر رعاياهما المسجونين من رفاقنا، وكان للوزيرين المفوضين أحمد بك الداعوق والمرحوم عدنان بك الأتاسي مساع مشكورة لإطلاق سراحهم، وقد اقترنت المساعي بالنجاح، وتمكن أولئك الإخوان من العودة إلى بلادهم...

أما إخواننا الفلسطينيون فلم تكن لهم دولة ترعى شؤونهم وتهتم لأمرهم، وساءت حالهم فاضربوا عن الطعام احتجاجاً على ما كانوا يلقونه من سوء المعاملة، وعلى أثر ذلك عملت السلطات البريطانية على نقلهم من بور كسل إلى جزر سيشل بطائرة خاصة في الأسبوع الأول من شهر شباط ١٩٤٦ حيث قضوا فيها أربعة أشهر، وساءت صحة بعضهم، فسمح لهم بالسفر إلى القاهرة، وبقي الآخرون سبعة أشهر آخر سمح لهم بعدها بالسفر إلى القاهرة.

*

لم يسبق لي أن تحدثت عن كيفية خروجي من فرنسا إلى القاهرة وإن كانت الصحف والبرقيات تحدثت عنها كثيراً. وقد حرصت على كتمانها لبعض الاعتبارات، أما الآن فلم يعد ما يحول دون ذكرها وإلا ظلت هذه الناحية حلقة مفقودة في سلسلة هذه المذكرات.