لقد قام الصديق الكريم الدكتور الدواليبي بالدور الأول والجانب الأهم في تلك المغامرة التي أفاضت الصحف والبرقيات في الحديث عنها حينئذ، فقد شاعت مكارم أخلاقه أن يعطيني جواز سفره.. واقتضى هذا تبديل الصورة وتغيير اللباس وحجز مكان في طائرة مسافرة من باريس إلى القاهرة. وكان ركاب الطائرة خليطاً من مدنيين وعسكريين، ولم يحدث عائق في مطار «اورلي» الذي قامت منه الطائرة من باريس إلى روما. وفي روما فحص المختصون جوازات سفر الركاب. وكان الجو رديئاً فقضينا الليل في أحد الفنادق. وفي الصباح استأنفنا السفر إلى ميناء «بيرة» في اليونان حيث هبطت الطائرة للتزود بالوقود، ومنها استأنفنا السفر إلى القاهرة. ولحسن الحظ لم يكن من يعرفني بين ركاب الطائرة، وفي المساء هبطت الطائرة في مطار «بن فيلد» الذي أصبح الآن مطار القاهرة الدولي، ولما تم فحص جوازات الركاب خرجت من المطار، تنفست الصعداء وحمدت الله على السلامة وتمثلت بقول البوصيري:
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع، وعن عال من الأطم
ولم أشأ الركوب في سيارة الباص المعدة لنقل الركاب وآثرت الركوب في سيارة أجرة عادية نقلتني إلى فندق ميتروبوليتان بالقاهرة..
أما اختياري السفر إلى القاهرة فقد كانت له أسباب عدة، من أهمها أننا في باريس كنا على اتصال ببعض إخواننا في القاهرة لنظل على صلة بالحوادث في تلك الظروف، وأن القاهرة كانت مركز الثقل في العالم العربي، وفيها جامعة الدول العربية، وأنها (أي القاهرة) على صلة بفلسطين حيث يتوقع استئناف الصراع الدامي بين الفلسطينيين واليهود. ومن تلك الأسباب ما يقضي عليّ الإنصاف بذكره، وهو أن الملك فاروق أبدي اهتماماً وتشجيعاً لوجودي في القاهرة، حتى أن السفير المصري في باريس حينئذ وهو المرحوم محمود فخري باشا تلقى حظاً على هذا، وكان بعض الأصدقاء يحملون إلينا رسائل من القاهرة بين حين وآخر. وكان مؤتمر بلودان قد انعقد للنظر في شؤون القضية الفلسطينية، لكنه لم يسلم من دسائس المخابرات البريطانية، ومحاولات ذوي الأغراض والأهواء. وكانت اليهودية العالمية قد جندت كل قواها للفوز في معركة فلسطين من ناحيتها السياسية والعسكرية، وحملت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية على أن تلقيـا بكل ثقلهما في المعركة، وكانت لهما الكلمة العليا حينئذ في شؤون العالم عامة والشرق العربي خاصة، بعد