مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 244

Normalized
transcript

لقد قام الصديق الكريم الدكتور الدواليبي بالدور الأول والجانب الأهم في تلك المغامرة التي أفاضت الصحف والبرقيات في الحديث عنها حينئذ، فقد شاعت مكارم أخلاقه أن يعطيني جواز سفره.. واقتضى هذا تبديل الصورة وتغيير اللباس وحجز مكان في طائرة مسافرة من باريس إلى القاهرة. وكان ركاب الطائرة خليطاً من مدنيين وعسكريين، ولم يحدث عائق في مطار «اورلي» الذي قامت منه الطائرة من باريس إلى روما. وفي روما فحص المختصون جوازات سفر الركاب. وكان الجو رديئاً فقضينا الليل في أحد الفنادق. وفي الصباح استأنفنا السفر إلى ميناء «بيرة» في اليونان حيث هبطت الطائرة للتزود بالوقود، ومنها استأنفنا السفر إلى القاهرة. ولحسن الحظ لم يكن من يعرفني بين ركاب الطائرة، وفي المساء هبطت الطائرة في مطار «بن فيلد» الذي أصبح الآن مطار القاهرة الدولي، ولما تم فحص جوازات الركاب خرجت من المطار، تنفست الصعداء وحمدت الله على السلامة وتمثلت بقول البوصيري:

عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع، وعن عال من الأطم

ولم أشأ الركوب في سيارة الباص المعدة لنقل الركاب وآثرت الركوب في سيارة أجرة عادية نقلتني إلى فندق ميتروبوليتان بالقاهرة..

أما اختياري السفر إلى القاهرة فقد كانت له أسباب عدة، من أهمها أننا في باريس كنا على اتصال ببعض إخواننا في القاهرة لنظل على صلة بالحوادث في تلك الظروف، وأن القاهرة كانت مركز الثقل في العالم العربي، وفيها جامعة الدول العربية، وأنها (أي القاهرة) على صلة بفلسطين حيث يتوقع استئناف الصراع الدامي بين الفلسطينيين واليهود. ومن تلك الأسباب ما يقضي عليّ الإنصاف بذكره، وهو أن الملك فاروق أبدي اهتماماً وتشجيعاً لوجودي في القاهرة، حتى أن السفير المصري في باريس حينئذ وهو المرحوم محمود فخري باشا تلقى حظاً على هذا، وكان بعض الأصدقاء يحملون إلينا رسائل من القاهرة بين حين وآخر. وكان مؤتمر بلودان قد انعقد للنظر في شؤون القضية الفلسطينية، لكنه لم يسلم من دسائس المخابرات البريطانية، ومحاولات ذوي الأغراض والأهواء. وكانت اليهودية العالمية قد جندت كل قواها للفوز في معركة فلسطين من ناحيتها السياسية والعسكرية، وحملت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية على أن تلقيـا بكل ثقلهما في المعركة، وكانت لهما الكلمة العليا حينئذ في شؤون العالم عامة والشرق العربي خاصة، بعد

English
translation

The honorable friend Dr. al-Dawalibi played the leading and most important role in that adventure about which the newspapers and telegrams spoke at length at the time. His noble character became known for leading him to give me his passport. This required changing the photograph, changing clothing, and reserving a seat on a plane traveling from Paris to Cairo. The passengers were a mixture of civilians and military personnel. There was no obstacle at Orly Airport, from which the aircraft flew from Paris to Rome. In Rome, specialists examined the passengers’ passports. The weather was bad, so we spent the night in a hotel. In the morning we resumed the journey to the port of Piraeus in Greece, where the aircraft landed to refuel, and from there we resumed the journey to Cairo.

Fortunately, no one who knew me was among the aircraft’s passengers. In the evening the aircraft landed at Benfeld Airport, now Cairo International Airport. When the passengers’ passports had been examined, I left the airport, breathed a sigh of relief, thanked God for my safety, and recalled al-Busiri’s verse:

“God’s care made an abundance of shields unnecessary, and a high fortress unnecessary.”

I did not wish to ride in the bus prepared to carry the passengers. Instead, I chose an ordinary taxi, which took me to the Metropolitan Hotel in Cairo.

My choice to travel to Cairo had several reasons. Among the most important was that in Paris we were in contact with some of our brothers in Cairo, so that we could remain connected to events in those circumstances; that Cairo was the center of gravity of the Arab world and was home to the Arab League; and that Cairo, meaning Egypt, was connected to Palestine, where the resumption of the bloody conflict between Palestinians and Jews was expected. Among the reasons that fairness requires me to mention was that King Farouk had shown interest in and encouraged my presence in Cairo. The Egyptian ambassador in Paris at the time, the late Mahmoud Fakhri Pasha, received encouragement to this effect, and some friends brought us letters from Cairo from time to time.

The Bloudan Conference had convened to consider the affairs of the Palestine question, but it was not free from the intrigues of British intelligence and the efforts of people driven by purposes and passions. International Jewry had mobilized all its forces to win the battle for Palestine politically and militarily and had induced Britain and the United States to throw their full weight into the struggle. At that time they held the upper hand in the affairs of the world in general and the Arab East in particular, after

Analysis

This page begins the author’s account of escaping France with Dr. Muhammad Ma‘ruf al-Dawalibi’s passport, changing his appearance, and flying through Rome and Piraeus to Cairo. It records the reasons given for choosing Cairo, including the Arab League, expected conflict in Palestine, King Farouk’s support, and the author’s claims about British intelligence and international Jewry. The page is especially significant because the memoir presents the escape as both a personal evasion and a political relocation. The sentence about Allied victory and Axis collapse continues on page 245.

Raw transcript

لقد قام الصديق الكريم الدكتور الدواليبي بالدور الأول والجانب الأهم في تلك المغامرة التي أفاضت الصحف والبرقيات في الحديث عنها حينئذ، فقد شاعت مكارم أخلاقه أن يعطيني جواز سفره.. واقتضى هذا تبديل الصورة وتغيير اللباس وحجز مكان في طائرة مسافرة من باريس إلى القاهرة. وكان ركاب الطائرة خليطاً من مدنيين وعسكريين، ولم يحدث عائق في مطار «اورلي» الذي قامت منه الطائرة من باريس إلى روما. وفي روما فحص المختصون جوازات سفر الركاب. وكان الجو رديئاً فقضينا الليل في أحد الفنادق. وفي الصباح استأنفنا السفر إلى ميناء «بيرة» في اليونان حيث هبطت الطائرة للتزود بالوقود، ومنها استأنفنا السفر إلى القاهرة. ولحسن الحظ لم يكن من يعرفني بين ركاب الطائرة، وفي المساء هبطت الطائرة في مطار «بن فيلد» الذي أصبح الآن مطار القاهرة الدولي، ولما تم فحص جوازات الركاب خرجت من المطار، تنفست الصعداء وحمدت الله على السلامة وتمثلت بقول البوصيري:

عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع، وعن عال من الأطم

ولم أشأ الركوب في سيارة الباص المعدة لنقل الركاب وآثرت الركوب في سيارة أجرة عادية نقلتني إلى فندق ميتروبوليتان بالقاهرة..

أما اختياري السفر إلى القاهرة فقد كانت له أسباب عدة، من أهمها أننا في باريس كنا على اتصال ببعض إخواننا في القاهرة لنظل على صلة بالحوادث في تلك الظروف، وأن القاهرة كانت مركز الثقل في العالم العربي، وفيها جامعة الدول العربية، وأنها (أي القاهرة) على صلة بفلسطين حيث يتوقع استئناف الصراع الدامي بين الفلسطينيين واليهود. ومن تلك الأسباب ما يقضي عليّ الإنصاف بذكره، وهو أن الملك فاروق أبدي اهتماماً وتشجيعاً لوجودي في القاهرة، حتى أن السفير المصري في باريس حينئذ وهو المرحوم محمود فخري باشا تلقى حظاً على هذا، وكان بعض الأصدقاء يحملون إلينا رسائل من القاهرة بين حين وآخر. وكان مؤتمر بلودان قد انعقد للنظر في شؤون القضية الفلسطينية، لكنه لم يسلم من دسائس المخابرات البريطانية، ومحاولات ذوي الأغراض والأهواء. وكانت اليهودية العالمية قد جندت كل قواها للفوز في معركة فلسطين من ناحيتها السياسية والعسكرية، وحملت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية على أن تلقيـا بكل ثقلهما في المعركة، وكانت لهما الكلمة العليا حينئذ في شؤون العالم عامة والشرق العربي خاصة، بعد