انتصار الحلفاء وانهيار دول المحور. ففي تلك الحال لم يكن البقاء في فرنسا محموداً ولم يكن يخلو من الخطر، ولذلك غامرت بالسفر إلى القاهرة، ويسر الله سبيلي إليها دون عائق.
وكنت قبل سفري قد أعددت كتاباً إلى وزارة الخارجية الفرنسية، وكلفت الأستاذ محمد اسحق درويش بإيصاله إليها، أما ما حدث بعد ذلك فقد فصله المسيو فوشيه مراسل مجلة (المصور) المصرية من باريس ونشرته المجلة في عددها الصادر بتاريخ ٢١ يونيو ١٩٤٦، كما يلي:
«بعد ظهر يوم السبت، غادر الأستاذ محمد اسحق درويش، ابن أخت المفتي، الدار القائمة على قمة مرتفعات بوجيفال، والمشرفة على نهر السين، في طريقه إلى وزارة الخارجية، وكان يحمل إلى المسيو (بونو) مدير قسم افريقيا والشرق الادنى في الوزارة رسالة من الحاج أمين الحسيني، كان لها وقع القنبلة! فهو يبلغ الحكومة الفرنسية بأنه اضطر إلى السفر (متخفياً)، وأنه لما كانت الحكومة الفرنسية قد أعلمته في شهر إبريل الماضي أنها لا تمانع في سفره من بلادها، فقد اعتبر نفسه حراً من كل قيد، وعزم على مغادرة فرنسا، وكان يود أن يغادرها جهاراً، لولا أنه شعر أن أعداءه يحاولون تعقبه، وأن حياته قد تصبح في خطر، ولذا آثر أن يكون بالقرب من أولئك الذين وقفوا على خدمته حياته.
ولم ينس سماحته أن يختم رسالته بشكر الحكومة الفرنسية على حسن ضيافتها، وأسفه لما قد يجره لها رحيله من متاعب....»
ثم أشار المراسل إلى أن الحكومة الفرنسية بدأت التحقيق في الحال لمعرفة الظروف التي أحاطت بالحادث، وإلى أن رفاق المفتي والمتصلين به قالوا إنه لم يطلعهم على ما أقدم عليه، وأن الشعور بالقلق على حياته كان قد ازداد شدة في المدة الأخيرة، وكثيراً ما رأى أشخاص مجهولون يطوفون حول الدار، وكان كلب الحراسة وهو من كلاب الرعاة يكثر من العواء في الليل.
وأضاف المراسل أن الرسالة إلى وزارة الخارجية مؤرخة في ٢٨ مايو، ولكنها لم تسلم إلا في ٨ يونيو، واستنتج من ذلك أن السفر حدث بين المدة الواقعة بين تاريخ الرسالة ويوم تسليمها، وقد ادعت بعض الصحف أن المفتي لجأ إلى إحدى السفارات الأجنبية، لكن ثبت بعد ذلك أنه غادر الأرض الفرنسية كلها.
ونشرت المجلة في مكان آخر من نفس العدد «أن أنباء خاصة وصلت إلى الدوائر