قضيت في قصر أنشاص تسعة عشر يوماً، ثم انتقلت يوم الاثنين التاسع من شعبان (٨ تموز ١٩٤٦) بقطار ديزل خاص بالملك فاروق إلى قصر (المعمورة) خارج مدينة الاسكندرية، في جوار سراي المنتزه المقر الصيفي للملك. و(المعمورة) يحيط بها أرض فسيحة مسورة تتصلها بسراي المنتزه. وبعد عصر اليوم التالي زارني الملك ترافقه الحاشية إلا أنه لم يشرك أحداً منهم في مجلسنا، وكان بادي السرور عظيم اللطف، واستهل الحديث مرحباً ومطمئناً إياي بأن الأمور انتهت على ما يرام، وأنني سأكون حراً في مقابلاتي وفي السكن حيث أريد، ثم نصح بالحيطة وضرورة الحراسة، وتناول الحديث، الذي كنت سجلت أهم نقاطه في مفكرتي الخاصة يومئذ، شؤون مصر وفلسطين وقضايا العالمين العربي والإسلامي، ووجدت الفرصة سانحة للتحدث عما يحيط بالعرب والمسلمين من خطر الدول الاستعمارية والصهيونية العالمية، وأن لا نجاة لهم إلا بالاتحاد والتعاون والتمسك بالقيم الروحية والخلقية عملاً بالآية الشريفة: {ولكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، وأكدت على ضرورة العمل على استنهاض الهمم وبعث الحيوية في النفوس، وعدم التبعية لأية سلطة أجنبية أو تكتل دولي خارجي.
ثم تحدثت عما لمصر من منزلة في نفوس العرب والمسلمين، وأن مقامي بمصر لن يكون فيه أي إحراج للسلطات المصرية، وتناول حديثي قضية فلسطين وضرورة رعايتها والاهتمام لها، والعمل على حماية القدس والمسجد الأقصى من المطامع اليهودية، وأتبعت ذلك بالتحذير من الخطر اليهودي على مصر نفسها، مشيراً إلى ما تقترفه العصابات الصهيونية من الجرائم، كاغتيال اللورد موين في القاهرة، ونسف فندق الملك داوود في القدس، ومؤكداً على ضرورة التشدد في مقاطعة اليهود، وإلى تواطئ بريطانيا وأمريكا مع اليهودية العالمية على تهويد فلسطين وإبادة الشعب الفلسطيني أو تشتيت شمله، ثم أشرت إلى البرقية التي كنت أرسلتها إلى الملوك والرؤساء في مؤتمر أنشاص، بما تقضي به الضرورة والمصلحة من مقاومة مشروع تقسيم فلسطين الذي أجمعت الأقطار العربية على رفضه ومقاومته.
وفي نهاية الحديث كررت الشكر للملك على كرم عنايته وضيافته، واستأذنته في الانتقال إلى مسكن خاص.
استمرت المقابلة خمساً وسبعين دقيقة، كان الملك خلالها منشرحاً للحديث وقال لي في نهايتها: «أنا فرحان بك أي بك وأريد أن أستفيد من تجاربك».