مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 265

Normalized
transcript

قضيت في قصر أنشاص تسعة عشر يوماً، ثم انتقلت يوم الاثنين التاسع من شعبان (٨ تموز ١٩٤٦) بقطار ديزل خاص بالملك فاروق إلى قصر (المعمورة) خارج مدينة الاسكندرية، في جوار سراي المنتزه المقر الصيفي للملك. و(المعمورة) يحيط بها أرض فسيحة مسورة تتصلها بسراي المنتزه. وبعد عصر اليوم التالي زارني الملك ترافقه الحاشية إلا أنه لم يشرك أحداً منهم في مجلسنا، وكان بادي السرور عظيم اللطف، واستهل الحديث مرحباً ومطمئناً إياي بأن الأمور انتهت على ما يرام، وأنني سأكون حراً في مقابلاتي وفي السكن حيث أريد، ثم نصح بالحيطة وضرورة الحراسة، وتناول الحديث، الذي كنت سجلت أهم نقاطه في مفكرتي الخاصة يومئذ، شؤون مصر وفلسطين وقضايا العالمين العربي والإسلامي، ووجدت الفرصة سانحة للتحدث عما يحيط بالعرب والمسلمين من خطر الدول الاستعمارية والصهيونية العالمية، وأن لا نجاة لهم إلا بالاتحاد والتعاون والتمسك بالقيم الروحية والخلقية عملاً بالآية الشريفة: {ولكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، وأكدت على ضرورة العمل على استنهاض الهمم وبعث الحيوية في النفوس، وعدم التبعية لأية سلطة أجنبية أو تكتل دولي خارجي.

ثم تحدثت عما لمصر من منزلة في نفوس العرب والمسلمين، وأن مقامي بمصر لن يكون فيه أي إحراج للسلطات المصرية، وتناول حديثي قضية فلسطين وضرورة رعايتها والاهتمام لها، والعمل على حماية القدس والمسجد الأقصى من المطامع اليهودية، وأتبعت ذلك بالتحذير من الخطر اليهودي على مصر نفسها، مشيراً إلى ما تقترفه العصابات الصهيونية من الجرائم، كاغتيال اللورد موين في القاهرة، ونسف فندق الملك داوود في القدس، ومؤكداً على ضرورة التشدد في مقاطعة اليهود، وإلى تواطئ بريطانيا وأمريكا مع اليهودية العالمية على تهويد فلسطين وإبادة الشعب الفلسطيني أو تشتيت شمله، ثم أشرت إلى البرقية التي كنت أرسلتها إلى الملوك والرؤساء في مؤتمر أنشاص، بما تقضي به الضرورة والمصلحة من مقاومة مشروع تقسيم فلسطين الذي أجمعت الأقطار العربية على رفضه ومقاومته.

وفي نهاية الحديث كررت الشكر للملك على كرم عنايته وضيافته، واستأذنته في الانتقال إلى مسكن خاص.

استمرت المقابلة خمساً وسبعين دقيقة، كان الملك خلالها منشرحاً للحديث وقال لي في نهايتها: «أنا فرحان بك أي بك وأريد أن أستفيد من تجاربك».

English
translation

I spent nineteen days at Anshas Palace, then on Monday, 9 Shaʿban (8 July 1946), I moved by a special diesel train belonging to King Farouk to al-Maʿmura Palace outside Alexandria, near Montaza Palace, the king’s summer residence. Al-Maʿmura is surrounded by a wide, enclosed tract of land connected to Montaza Palace. On the afternoon of the following day, the king visited me, accompanied by his retinue, although he did not include any of them in our meeting. He was visibly pleased and extremely gracious. He began by welcoming me and assuring me that matters had ended well, that I would be free in my meetings and in choosing wherever I wished to live. He then advised caution and the need for security. The conversation, whose main points I recorded in my private notebook at the time, concerned Egypt, Palestine, and the affairs of the Arab and Islamic worlds. I found an opportunity to speak about the dangers surrounding the Arabs and Muslims from the colonial powers and international Zionism, and that they could be saved only through unity and cooperation and adherence to spiritual and moral values, in accordance with the noble verse: “Let there arise from you a community that calls to the good, enjoins what is right, and forbids what is wrong. It is they who will prosper.” I emphasized the need to work to rouse determination and revive vitality in people’s souls, and to avoid dependence on any foreign authority or external international bloc.

I then spoke of Egypt’s place in the hearts of Arabs and Muslims, and that my residence in Egypt would cause no embarrassment to the Egyptian authorities. I discussed the Palestine cause and the need to care for it and give it attention, and to work to protect Jerusalem and al-Aqsa Mosque from Jewish ambitions. I followed this by warning of the Jewish danger to Egypt itself, pointing to crimes committed by Zionist gangs, such as the assassination of Lord Moyne in Cairo and the bombing of the King David Hotel in Jerusalem. I stressed the need for strictness in boycotting Jews, and referred to the collusion of Britain and America with world Jewry to Judaize Palestine and exterminate the Palestinian people or scatter them. I then referred to the telegram I had sent to the kings and presidents at the Anshas Conference, calling for what necessity and interest required in resisting the plan to partition Palestine, which the Arab countries had unanimously rejected and opposed.

At the end of the conversation I repeated my thanks to the king for his generous care and hospitality and asked his permission to move to private quarters.

The meeting lasted seventy-five minutes. Throughout it the king was cheerful in conversation, and at its end he said to me: “I am happy with you, that is, happy to have you, and I want to benefit from your experience.”

Analysis

Printed page 265 records the author’s move from Anshas to al-Maʿmura and a private meeting with King Farouk. It preserves the author’s political warnings about colonial powers, Zionism, Jewish ambitions, and the Palestine partition plan, as well as the king’s reported praise of his experience. The verse is translated as a quotation, and the source’s political claims remain attributed to the memoir. The page contains a complete narrative unit.

Raw transcript

قضيت في قصر أنشاص تسعة عشر يوماً، ثم انتقلت يوم الاثنين التاسع من شعبان (٨ تموز ١٩٤٦) بقطار ديزل خاص بالملك فاروق إلى قصر (المعمورة) خارج مدينة الاسكندرية، في جوار سراي المنتزه المقر الصيفي للملك. و(المعمورة) يحيط بها أرض فسيحة مسورة تتصلها بسراي المنتزه. وبعد عصر اليوم التالي زارني الملك ترافقه الحاشية إلا أنه لم يشرك أحداً منهم في مجلسنا، وكان بادي السرور عظيم اللطف، واستهل الحديث مرحباً ومطمئناً إياي بأن الأمور انتهت على ما يرام، وأنني سأكون حراً في مقابلاتي وفي السكن حيث أريد، ثم نصح بالحيطة وضرورة الحراسة، وتناول الحديث، الذي كنت سجلت أهم نقاطه في مفكرتي الخاصة يومئذ، شؤون مصر وفلسطين وقضايا العالمين العربي والإسلامي، ووجدت الفرصة سانحة للتحدث عما يحيط بالعرب والمسلمين من خطر الدول الاستعمارية والصهيونية العالمية، وأن لا نجاة لهم إلا بالاتحاد والتعاون والتمسك بالقيم الروحية والخلقية عملاً بالآية الشريفة: {ولكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، وأكدت على ضرورة العمل على استنهاض الهمم وبعث الحيوية في النفوس، وعدم التبعية لأية سلطة أجنبية أو تكتل دولي خارجي.

ثم تحدثت عما لمصر من منزلة في نفوس العرب والمسلمين، وأن مقامي بمصر لن يكون فيه أي إحراج للسلطات المصرية، وتناول حديثي قضية فلسطين وضرورة رعايتها والاهتمام لها، والعمل على حماية القدس والمسجد الأقصى من المطامع اليهودية، وأتبعت ذلك بالتحذير من الخطر اليهودي على مصر نفسها، مشيراً إلى ما تقترفه العصابات الصهيونية من الجرائم، كاغتيال اللورد موين في القاهرة، ونسف فندق الملك داوود في القدس، ومؤكداً على ضرورة التشدد في مقاطعة اليهود، وإلى تواطئ بريطانيا وأمريكا مع اليهودية العالمية على تهويد فلسطين وإبادة الشعب الفلسطيني أو تشتيت شمله، ثم أشرت إلى البرقية التي كنت أرسلتها إلى الملوك والرؤساء في مؤتمر أنشاص، بما تقضي به الضرورة والمصلحة من مقاومة مشروع تقسيم فلسطين الذي أجمعت الأقطار العربية على رفضه ومقاومته.

وفي نهاية الحديث كررت الشكر للملك على كرم عنايته وضيافته، واستأذنته في الانتقال إلى مسكن خاص.

استمرت المقابلة خمساً وسبعين دقيقة، كان الملك خلالها منشرحاً للحديث وقال لي في نهايتها: «أنا فرحان بك أي بك وأريد أن أستفيد من تجاربك».