وقبل أن أنتقل من المعمورة إلى منزل خاص برمل الاسكندرية، دعاني الملك إلى تناول طعام الغذاء في قصر المنتزه، يوم الجمعة ٢٧ شعبان (٢٦ تموز)، فلما وصلت القصر وقابلني الملك سار بي إلى مكتبه الخاص، ثم فتح أحد الأدراج، وأطلعني على كتاب من السفير البريطاني إلى رئيس الوزراء، جاء فيه إنه أطلع في جريدة المقطم على خبر يشير إلى أني استقبلت نائب رئيس الحزب العربي الفلسطيني وأمين سر الحزب، وقد أرفق السفير قصاصة الجريدة بالكتاب، محتجاً على متابعة نشاطي السياسي الذي من شأنه إثارة المتاعب للحكومة البريطانية في فلسطين!
وعقب الملك على ذلك بقوله: لا تهتموا لذلك، ثم توجهنا إلى غرفة الطعام، وكان معنا على المائدة بعض كبار المصريين وحاشية الملك.
امتدت إقامتي بالمعمورة عشرين يوماً زارني خلالها عدد من الأصدقاء من مصر وفلسطين، كان في مقدمتهم المرحوم محمد علي علوبة باشا، وعبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية، والمرحوم توفيق صالح الحسيني نائب رئيس الحزب العربي الفلسطيني، وأمين سر الحزب الأستاذ اميل الغوري، والمرحوم الشيخ حسن أبو السعود الذي عاد أخيراً من منفاه في جزيرة سيشيل، وكذلك الدكتور معروف الدواليبي، والمرحوم عدنان الأتاسي وزير سورية المفوض في باريس حينئذ، والأستاذ محمد اسحق درويش الذي ظل في باريس بضعة أسابيع بعد خروجي من فرنسا وقد وصل الثلاثة بالباخرة من فرنسا إلى الاسكندرية يوم ٢٠ تموز، ثم أخذت وفد فلسطين تصل القاهرة تباعاً ومنها إلى الاسكندرية.
وفي يوم السبت ١٣ تموز زارني رئيس الوزراء اسماعيل صدقي باشا مرحباً ومسلماً ومطمئناً، وأبدى أطيب الشعور والعواطف، وطلب مني أن اتصل به بالتلفون عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، فأثنيت إلى ذلك شاكراً، ثم بعد بضعة أيام رددت له الزيارة في مقره بدار رئاسة الوزارة في بولكلي، وتناول الحديث في الزيارتين الوضع الحاضر في فلسطين ومصر، وكان صدقي باشا يولي شؤون الأمن العام عناية واهتماماً كبيرين، حرصه على نجاح المفاوضات المصرية البريطانية، التي كان يتولاها مع الوفد البريطاني برئاسة اللورد ستانسجيت، وكانت الدسائس البريطانية واليهودية تنسج حولي شباكاً من أكاذيب الدعاية في الصحف والإذاعات، وتنشر ما من شأنه أن يوهم السلطات المصرية أن وجودي في مصر يثير المشاكل ويهدد الأمن العام، فأكدت لرئيس الوزراء أننا حريصون كل الحرص على أن لا نسبب أي إزعاج لمصر، وأن القضية المصرية في نظرنا واعتبارنا ذات أهمية عظمى، وأن كثيراً من مراسلي