الصحف الاستعمارية والصهيونية يختلقون الأخبار المشوهة المسممة وأحداث البلبلة، وضربت له بعض الأمثلة، ثم قلت له إنني في فرنسا كنت حراً في إقامتي وانتقالي، وأنه لا حق للإنكليز في محاولتهم أن يمنعوني من التمتع بحريتي وممارسة حقوقي المدنية، وهم لم يمنعوا زعماء اليهود من ذلك، وتركوهم أحراراً يتصرفون كما يشاؤون، رغم ما اقترفوا من جرائم وأعمال إرهابية نظيرة، أنه لا ينبغي التسليم للإنكليز بما يطلبون، ما دمنا نعمل في حدود العرف والقانون والنظام.
كان صدقي باشا من أذكى رجال مصر في التجارة والاقتصاد والسياسة، وكان حريصاً على إرضاء الإنكليز، على أمل الوصول إلى نجاح في مفاوضات الجلاء، يخلد له ذكراً في تاريخ مصر السياسي، وكانت تنقصه الشخصية التي تدعم مركز الزعيم المفاوض، كما كان حريصاً على استرضاء الملك فاروق، الذي كلفه بتشكيل الوزارة خلفاً لمصطفى النحاس باشا زعيم الأغلبية المصرية، ومن حيث أن الملك هو الذي اتخذ موقفاً شجعني على القدوم إلى مصر، ودعم وجودي فيها بقوة، فقد حاول صدقي باشا أن يقف موقفاً وسطاً بين الجهتين ويوفق بين الرغبتين.
انتقلت إلى منزل في رمل الاسكندرية واتخذت فيه مكتباً للعمل، ولم أشعر ثمة قيوداً علي أو على أحد من إخواني العاملين، الذين اتصلنا بهم وشرعنا في العمل معهم، وجعل إخواننا يفدون علينا من فلسطين والأقطار العربية الأخرى.
وكان ممن وفد علينا في تلك الآونة في الاسكندرية الأمير شكيب ارسلان، عائداً من سويسرة إلى وطنه لبنان، بعد غياب طويل في أوروبا، وكنت على اتصال به خلال المدة التي قضيتها في أوروبا متعاونين على العمل لخير أمتنا، وكان الأمير شكيب من أفذاذ الأمة العربية وأعلامها، فما كرت العرب كارثة ولا نابت المسلمين نائبة إلا لجلجل صوته في الدفاع، وانبرى بقلمه يقرع الأسماع، مرشداً ومنبهاً، ناصحاً ومحذراً، ومتصدياً للحملات الظالمة التي كانت تنشئها الأقلام الحاقدة في الغرب والشرق، وقد خالفه أناس في بعض آرائه السياسية ومواقفه من دولة الخلافة الإسلامية والثورة العربية، لكن الأيام والكوارث الأليمة الدامية التي حاقت بالعرب والمسلمين، بعد الحرب العالمية الأولى، لم تلبث أن برهنت على سداد رأيه وصدق نصيحته، وفي ذلك يقول رحمه الله:
سيعلم قومي أني لا أغشهم ومهما استطال الليل فالصبح واصله
لقد عرفت العقيد الكبير شكيباً معرفة وثيقة في أوروبا وفلسطين، وتبادلنا كثيراً من