مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 267

Normalized
transcript

الصحف الاستعمارية والصهيونية يختلقون الأخبار المشوهة المسممة وأحداث البلبلة، وضربت له بعض الأمثلة، ثم قلت له إنني في فرنسا كنت حراً في إقامتي وانتقالي، وأنه لا حق للإنكليز في محاولتهم أن يمنعوني من التمتع بحريتي وممارسة حقوقي المدنية، وهم لم يمنعوا زعماء اليهود من ذلك، وتركوهم أحراراً يتصرفون كما يشاؤون، رغم ما اقترفوا من جرائم وأعمال إرهابية نظيرة، أنه لا ينبغي التسليم للإنكليز بما يطلبون، ما دمنا نعمل في حدود العرف والقانون والنظام.

كان صدقي باشا من أذكى رجال مصر في التجارة والاقتصاد والسياسة، وكان حريصاً على إرضاء الإنكليز، على أمل الوصول إلى نجاح في مفاوضات الجلاء، يخلد له ذكراً في تاريخ مصر السياسي، وكانت تنقصه الشخصية التي تدعم مركز الزعيم المفاوض، كما كان حريصاً على استرضاء الملك فاروق، الذي كلفه بتشكيل الوزارة خلفاً لمصطفى النحاس باشا زعيم الأغلبية المصرية، ومن حيث أن الملك هو الذي اتخذ موقفاً شجعني على القدوم إلى مصر، ودعم وجودي فيها بقوة، فقد حاول صدقي باشا أن يقف موقفاً وسطاً بين الجهتين ويوفق بين الرغبتين.

انتقلت إلى منزل في رمل الاسكندرية واتخذت فيه مكتباً للعمل، ولم أشعر ثمة قيوداً علي أو على أحد من إخواني العاملين، الذين اتصلنا بهم وشرعنا في العمل معهم، وجعل إخواننا يفدون علينا من فلسطين والأقطار العربية الأخرى.

وكان ممن وفد علينا في تلك الآونة في الاسكندرية الأمير شكيب ارسلان، عائداً من سويسرة إلى وطنه لبنان، بعد غياب طويل في أوروبا، وكنت على اتصال به خلال المدة التي قضيتها في أوروبا متعاونين على العمل لخير أمتنا، وكان الأمير شكيب من أفذاذ الأمة العربية وأعلامها، فما كرت العرب كارثة ولا نابت المسلمين نائبة إلا لجلجل صوته في الدفاع، وانبرى بقلمه يقرع الأسماع، مرشداً ومنبهاً، ناصحاً ومحذراً، ومتصدياً للحملات الظالمة التي كانت تنشئها الأقلام الحاقدة في الغرب والشرق، وقد خالفه أناس في بعض آرائه السياسية ومواقفه من دولة الخلافة الإسلامية والثورة العربية، لكن الأيام والكوارث الأليمة الدامية التي حاقت بالعرب والمسلمين، بعد الحرب العالمية الأولى، لم تلبث أن برهنت على سداد رأيه وصدق نصيحته، وفي ذلك يقول رحمه الله:

سيعلم قومي أني لا أغشهم ومهما استطال الليل فالصبح واصله

لقد عرفت العقيد الكبير شكيباً معرفة وثيقة في أوروبا وفلسطين، وتبادلنا كثيراً من

English
translation

newspaper correspondents from the colonial and Zionist press, who fabricated distorted and poisonous reports and events intended to create confusion. I gave him some examples, then told him that in France I had been free in my residence and movements, and that the English had no right to try to prevent me from enjoying my freedom and exercising my civil rights. They had not prevented the Jewish leaders from doing so, but had left them free to act as they wished despite the crimes and similar terrorist acts they had committed. I said that the English should not be obeyed in whatever they demanded, so long as we were acting within the bounds of custom, law, and order.

Sidqi Pasha was one of Egypt’s most intelligent men in commerce, economics, and politics. He was eager to satisfy the English, hoping to achieve success in the evacuation negotiations that he was conducting with the British delegation headed by Lord Stansgate, a success that would immortalize his name in Egypt’s political history. But he lacked the personality needed to support the position of a negotiating leader. He was also eager to appease King Farouk, who had charged him with forming a government to succeed Mustafa al-Nahhas Pasha, leader of the Egyptian majority. Since the king had taken the position that encouraged me to come to Egypt and strongly supported my presence there, Sidqi Pasha tried to take a middle position between the two sides and reconcile the two wishes.

I moved to a house in Ramla, Alexandria, and set up an office for work there. I felt no restrictions on myself or on any of my colleagues who were working with me. We contacted them and began working with them, and our brothers began coming to us from Palestine and the other Arab countries.

Among those who came to us in Alexandria at that time was Prince Shakib Arslan, returning from Switzerland to his homeland, Lebanon, after a long absence in Europe. I had remained in contact with him during the period I spent in Europe, cooperating with him in work for the good of our nation. Prince Shakib was one of the outstanding figures and leaders of the Arab nation. Whenever a catastrophe befell the Arabs or a calamity afflicted Muslims, his voice rang out in defense, and he wielded his pen to strike the ears, guiding and alerting, advising and warning, and confronting the unjust campaigns created by hostile pens in the West and East. Some people disagreed with him over certain political views and his positions on the Islamic Caliphate and the Arab Revolt, but the painful, bloody days and disasters that befell the Arabs and Muslims after the First World War soon proved the soundness of his view and the truth of his advice. In this regard, may God have mercy on him, he said:

My people will know that I do not deceive them; However long the night, dawn will reach it.

I knew the great commander Shakib closely in Europe and Palestine, and we exchanged many of

Analysis

Printed page 267 continues the discussion with the Egyptian prime minister, preserving the author’s claims about colonial and Zionist press campaigns, British pressure, Sidqi Pasha’s balancing of the king and British negotiations, and the author’s move to Ramla. It then presents a substantial eulogy of Prince Shakib Arslan and a quoted verse, ending mid-sentence as the author turns to their correspondence. The claims and political characterizations remain attributed to the source.

Raw transcript

الصحف الاستعمارية والصهيونية يختلقون الأخبار المشوهة المسممة وأحداث البلبلة، وضربت له بعض الأمثلة، ثم قلت له إنني في فرنسا كنت حراً في إقامتي وانتقالي، وأنه لا حق للإنكليز في محاولتهم أن يمنعوني من التمتع بحريتي وممارسة حقوقي المدنية، وهم لم يمنعوا زعماء اليهود من ذلك، وتركوهم أحراراً يتصرفون كما يشاؤون، رغم ما اقترفوا من جرائم وأعمال إرهابية نظيرة، أنه لا ينبغي التسليم للإنكليز بما يطلبون، ما دمنا نعمل في حدود العرف والقانون والنظام.

كان صدقي باشا من أذكى رجال مصر في التجارة والاقتصاد والسياسة، وكان حريصاً على إرضاء الإنكليز، على أمل الوصول إلى نجاح في مفاوضات الجلاء، يخلد له ذكراً في تاريخ مصر السياسي، وكانت تنقصه الشخصية التي تدعم مركز الزعيم المفاوض، كما كان حريصاً على استرضاء الملك فاروق، الذي كلفه بتشكيل الوزارة خلفاً لمصطفى النحاس باشا زعيم الأغلبية المصرية، ومن حيث أن الملك هو الذي اتخذ موقفاً شجعني على القدوم إلى مصر، ودعم وجودي فيها بقوة، فقد حاول صدقي باشا أن يقف موقفاً وسطاً بين الجهتين ويوفق بين الرغبتين.

انتقلت إلى منزل في رمل الاسكندرية واتخذت فيه مكتباً للعمل، ولم أشعر ثمة قيوداً علي أو على أحد من إخواني العاملين، الذين اتصلنا بهم وشرعنا في العمل معهم، وجعل إخواننا يفدون علينا من فلسطين والأقطار العربية الأخرى.

وكان ممن وفد علينا في تلك الآونة في الاسكندرية الأمير شكيب ارسلان، عائداً من سويسرة إلى وطنه لبنان، بعد غياب طويل في أوروبا، وكنت على اتصال به خلال المدة التي قضيتها في أوروبا متعاونين على العمل لخير أمتنا، وكان الأمير شكيب من أفذاذ الأمة العربية وأعلامها، فما كرت العرب كارثة ولا نابت المسلمين نائبة إلا لجلجل صوته في الدفاع، وانبرى بقلمه يقرع الأسماع، مرشداً ومنبهاً، ناصحاً ومحذراً، ومتصدياً للحملات الظالمة التي كانت تنشئها الأقلام الحاقدة في الغرب والشرق، وقد خالفه أناس في بعض آرائه السياسية ومواقفه من دولة الخلافة الإسلامية والثورة العربية، لكن الأيام والكوارث الأليمة الدامية التي حاقت بالعرب والمسلمين، بعد الحرب العالمية الأولى، لم تلبث أن برهنت على سداد رأيه وصدق نصيحته، وفي ذلك يقول رحمه الله:

سيعلم قومي أني لا أغشهم ومهما استطال الليل فالصبح واصله

لقد عرفت العقيد الكبير شكيباً معرفة وثيقة في أوروبا وفلسطين، وتبادلنا كثيراً من