مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 268

Normalized
transcript

الرسائل في الشؤون العامة وكانت لنا مساع مشتركة في السياسة العربية والإسلامية. من جملتها اشتراكنا في الوفد الإسلامي إلى المملكة العربية السعودية واليمن للوساطة في الصلح بينهما عام ١٩٣٤، فكانت صحبة ظفرت بها ورفقة أنست بها، وكنت بعدها أردد قول شوقي في صديقه شكيب:

صحبت شكيباً برهة لم يفز بها سواي، على أن الصحاب كثير

حرصت عليها آنة ثم آنة كما ضن بالماس الكريم خبير

فلما تساقينا الوفاء وتم لي وداد على كل الوداد أمير

تفرق جسمي في البلاد وجسمه ولم يتفرق خاطر وضمير

لكن زيارة الأمير شكيب لي في الاسكندرية كانت قصيرة الأمد، إذ لم يلبث أن توجه إلى لبنان ليستقر في وطنه ويهدأ عناء الدهر، وما كنت أدري أن تلك الزيارة القصيرة العابرة ستكون آخر العهد به، إذ لم يلبث إلا شهوراً قلائل ثم وافته المنية، وفجع به العالمان العربي والإسلامي، وها قد انقضى نحو ربع قرن على وفاته دون أن يبرز في الأمة العربية من يملأ الفراغ الكبير الذي أحدثه فقده، ويسد الثغرة الواسعة التي تركها من بعده.

معاودة النشاط:

انتهت الحرب العالمية الثانية، وخرجت بريطانيا وأمريكا منتصرتين من تلك الحرب الضروس، وكان الوجود البريطاني قوياً في البلاد العربية، فلم يكن أحد يجرؤ على معارضة السياسة البريطانية، فضلاً عن تحديها، وكثير من العرب كانوا يغترون بالصداقة البريطانية ويلوذون بحماها، ولعل التفضل في الاجتراء على الظلم البريطاني والتنديد به والتشهير بسياسة بريطانيا المعادية للعرب يعود في الدرجة الأولى إلى قضية فلسطين والشعب الفلسطيني، ورفضه الخضوع للظلم الفادح الذي اقترفته بريطانيا في الأرض المقدسة.

في الأسابيع الأولى من إقامتي بالاسكندرية شعرت أن بعض أصدقائي القدمين، قد تخلفوا عن زيارتي، وأن الذي تسلح منهم بالشجاعة جاءني زائراً، وفي الليل، وكان من هؤلاء المرحوم تحسين العسكري وزير العراق المفوض في مصر عندئذ، ولم تكن تنقصه الشجاعة، لكن سياسة حكومته في ذلك الحين هي التي قضت عليه بذلك.

English
translation

letters on public affairs, and we had shared efforts in Arab and Islamic politics. Among them was our participation in the Islamic delegation to Saudi Arabia and Yemen to mediate reconciliation between them in 1934. It was companionship I had gained and fellowship in which I had found comfort. Afterward I would repeat what Shawqi said about his friend Shakib:

I kept Shakib’s company for a while that no one but me enjoyed, Though companions are many.

I cherished it again and again, As a connoisseur guards precious diamonds.

When we drank loyalty together, I attained A friendship that ruled over every friendship.

My body and his were scattered across the lands, But thought and conscience did not part.

But Prince Shakib’s visit with me in Alexandria was brief. He soon went to Lebanon to settle in his homeland and find relief from the hardships of time. I did not know that this brief, passing visit would be my last encounter with him. Only a few months later he died, and the Arab and Islamic worlds were stricken by his loss. Nearly a quarter of a century has now passed since his death without anyone emerging in the Arab nation to fill the great void created by his loss and close the wide gap he left behind.

Resuming activity:

The Second World War ended, and Britain and America emerged victorious from that fierce war. The British presence in the Arab countries was strong, and no one dared oppose British policy, let alone challenge it. Many Arabs were deceived by British friendship and sought shelter under its protection. Perhaps the first reason for daring to expose and denounce British oppression and publicize Britain’s anti-Arab policy was the Palestine cause and the Palestinian people’s refusal to submit to the grave injustice Britain had committed in the Holy Land.

During the first weeks of my stay in Alexandria, I felt that some of my old friends had failed to visit me, and that those among them who had armed themselves with courage came to see me at night. Among them was the late Tahsin al-Askari, Iraq’s minister plenipotentiary in Egypt at that time. He was not lacking in courage, but the policy of his government at that time was what compelled him to act so.

Analysis

Printed page 268 completes the Shakib Arslan correspondence passage and poem, then opens a section titled “Resuming activity.” It frames postwar British power, Arab caution, and the Palestine cause as the setting for renewed political work. The page also introduces Tahsin al-Askari and attributes his limited visits to Iraqi government policy. The political judgments and eulogy remain source-owned.

Raw transcript

الرسائل في الشؤون العامة وكانت لنا مساع مشتركة في السياسة العربية والإسلامية. من جملتها اشتراكنا في الوفد الإسلامي إلى المملكة العربية السعودية واليمن للوساطة في الصلح بينهما عام ١٩٣٤، فكانت صحبة ظفرت بها ورفقة أنست بها، وكنت بعدها أردد قول شوقي في صديقه شكيب:

صحبت شكيباً برهة لم يفز بها سواي، على أن الصحاب كثير

حرصت عليها آنة ثم آنة كما ضن بالماس الكريم خبير

فلما تساقينا الوفاء وتم لي وداد على كل الوداد أمير

تفرق جسمي في البلاد وجسمه ولم يتفرق خاطر وضمير

لكن زيارة الأمير شكيب لي في الاسكندرية كانت قصيرة الأمد، إذ لم يلبث أن توجه إلى لبنان ليستقر في وطنه ويهدأ عناء الدهر، وما كنت أدري أن تلك الزيارة القصيرة العابرة ستكون آخر العهد به، إذ لم يلبث إلا شهوراً قلائل ثم وافته المنية، وفجع به العالمان العربي والإسلامي، وها قد انقضى نحو ربع قرن على وفاته دون أن يبرز في الأمة العربية من يملأ الفراغ الكبير الذي أحدثه فقده، ويسد الثغرة الواسعة التي تركها من بعده.

معاودة النشاط:

انتهت الحرب العالمية الثانية، وخرجت بريطانيا وأمريكا منتصرتين من تلك الحرب الضروس، وكان الوجود البريطاني قوياً في البلاد العربية، فلم يكن أحد يجرؤ على معارضة السياسة البريطانية، فضلاً عن تحديها، وكثير من العرب كانوا يغترون بالصداقة البريطانية ويلوذون بحماها، ولعل التفضل في الاجتراء على الظلم البريطاني والتنديد به والتشهير بسياسة بريطانيا المعادية للعرب يعود في الدرجة الأولى إلى قضية فلسطين والشعب الفلسطيني، ورفضه الخضوع للظلم الفادح الذي اقترفته بريطانيا في الأرض المقدسة.

في الأسابيع الأولى من إقامتي بالاسكندرية شعرت أن بعض أصدقائي القدمين، قد تخلفوا عن زيارتي، وأن الذي تسلح منهم بالشجاعة جاءني زائراً، وفي الليل، وكان من هؤلاء المرحوم تحسين العسكري وزير العراق المفوض في مصر عندئذ، ولم تكن تنقصه الشجاعة، لكن سياسة حكومته في ذلك الحين هي التي قضت عليه بذلك.