الرسائل في الشؤون العامة وكانت لنا مساع مشتركة في السياسة العربية والإسلامية. من جملتها اشتراكنا في الوفد الإسلامي إلى المملكة العربية السعودية واليمن للوساطة في الصلح بينهما عام ١٩٣٤، فكانت صحبة ظفرت بها ورفقة أنست بها، وكنت بعدها أردد قول شوقي في صديقه شكيب:
صحبت شكيباً برهة لم يفز بها سواي، على أن الصحاب كثير
حرصت عليها آنة ثم آنة كما ضن بالماس الكريم خبير
فلما تساقينا الوفاء وتم لي وداد على كل الوداد أمير
تفرق جسمي في البلاد وجسمه ولم يتفرق خاطر وضمير
لكن زيارة الأمير شكيب لي في الاسكندرية كانت قصيرة الأمد، إذ لم يلبث أن توجه إلى لبنان ليستقر في وطنه ويهدأ عناء الدهر، وما كنت أدري أن تلك الزيارة القصيرة العابرة ستكون آخر العهد به، إذ لم يلبث إلا شهوراً قلائل ثم وافته المنية، وفجع به العالمان العربي والإسلامي، وها قد انقضى نحو ربع قرن على وفاته دون أن يبرز في الأمة العربية من يملأ الفراغ الكبير الذي أحدثه فقده، ويسد الثغرة الواسعة التي تركها من بعده.
معاودة النشاط:
انتهت الحرب العالمية الثانية، وخرجت بريطانيا وأمريكا منتصرتين من تلك الحرب الضروس، وكان الوجود البريطاني قوياً في البلاد العربية، فلم يكن أحد يجرؤ على معارضة السياسة البريطانية، فضلاً عن تحديها، وكثير من العرب كانوا يغترون بالصداقة البريطانية ويلوذون بحماها، ولعل التفضل في الاجتراء على الظلم البريطاني والتنديد به والتشهير بسياسة بريطانيا المعادية للعرب يعود في الدرجة الأولى إلى قضية فلسطين والشعب الفلسطيني، ورفضه الخضوع للظلم الفادح الذي اقترفته بريطانيا في الأرض المقدسة.
في الأسابيع الأولى من إقامتي بالاسكندرية شعرت أن بعض أصدقائي القدمين، قد تخلفوا عن زيارتي، وأن الذي تسلح منهم بالشجاعة جاءني زائراً، وفي الليل، وكان من هؤلاء المرحوم تحسين العسكري وزير العراق المفوض في مصر عندئذ، ولم تكن تنقصه الشجاعة، لكن سياسة حكومته في ذلك الحين هي التي قضت عليه بذلك.