وعلى ذكر المرحوم تحسين العسكري، أذكر هنا أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية كانت قد عهدت إليه بمهمة السعي لتسهيل عودة المبعدين والمشردين العرب، الذين ظلوا في مختلف البلاد الأوروبية بعد انتهاء الحرب، وساءت حالهم لانقطاع مواردهم وعدم استطاعتهم العودة إلى بلادهم، وخصصت مبلغاً من المال لهذه الغاية، فقبل المرحوم العسكري هذه المهمة، وقام بخدمة مشكورة في هذا المجال، وتمكن من إعادة عدد كبير من أولئك المبعدين والمشردين إلى الأقطار العربية.
شرعنا في وضع خطة للعمل تبدأ بدعوة الهيئة العربية العليا لفلسطين للاجتماع، وبدعم موقف الشعب الفلسطيني في مقاومته للسياسة البريطانية والوجود الصهيوني في فلسطين، وشرعت المخابرات البريطانية من ناحيتها في التجسس علينا ونصب شباكها حولنا، فأخذ مراسلو الصحف الإنكليزية وغيرها، من عملاء الإنكليز والصهيونيين، يفدون علينا أو يتصلون بنا للحصول على أحاديث وتصريحات، لا يلبثون أن يشوهوها ليختلقوا علينا الأكاذيب، وكان معظم مراسلي الصحف الإنكليزية والأمريكية والفرنسية وما زالوا من اليهود يخدمون القضية الصهيونية ويعادون قضية فلسطين والقضايا العربية.
وكان من جواسيس الإنكليز ورجال مخابراتهم المشهورين مستر (دونفل) الذي عرفناه من قبل مديراً لقسم مخابرات الجيش البريطاني في فلسطين، ثم انتقل إلى العراق للتجسس على العراقيين والفلسطينيين، وكان دونفل يتخذ له عدة مساكن في البلد الواحد، مبالغة منه في الدهاء والاختفاء، ثم جاء إلى القاهرة عندما كنت فيها، ووسّط بعض معارفي لزيارتي في منزلي بحلمية الزيتون، فلما انتقلت إلى ضاحية مصر الجديدة اختارها هو ونقل سكناً له، وفي إحدى زياراته لي حاول أن يقنعني بالعودة إلى فلسطين، والإنكليز ما زالوا فيها.. وكان دونفل يزعم أن الحكومة البريطانية أعفته من الخدمة، وأنه لا يملك شيئاً من حطام الدنيا، ويتظاهر بالفقر ويسكن غرفة ضيقة على سطح إحدى العمارات، ليدلل بذلك على قلة ماله وسوء حاله، ويتردد على المقهى الذي يرتاده الفلسطينيون بمصر الجديدة، فيختلط بهم ويتحدث إليهم، وعرفت فيما بعد أنه كان ذا صلة بمخابرات القوات المسلحة المصرية! ومن طرائف دونفل في العراق، عندما كنت ببغداد أن الحكومة العراقية أرسلت وفداً رسمياً إلى المملكة العربية السعودية للبحث في شؤون تهم الدولتين، وسافر الوفد من بغداد في طائرة يقودها طيارون إنكليز، واندس في غرفة القيادة مع الطيارين، كأنه واحد منهم، خلال رحلة الوفد ذهاباً وإياباً، وكان دونفل يحسن الحديث باللغة العربية...