مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 269

Normalized
transcript

وعلى ذكر المرحوم تحسين العسكري، أذكر هنا أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية كانت قد عهدت إليه بمهمة السعي لتسهيل عودة المبعدين والمشردين العرب، الذين ظلوا في مختلف البلاد الأوروبية بعد انتهاء الحرب، وساءت حالهم لانقطاع مواردهم وعدم استطاعتهم العودة إلى بلادهم، وخصصت مبلغاً من المال لهذه الغاية، فقبل المرحوم العسكري هذه المهمة، وقام بخدمة مشكورة في هذا المجال، وتمكن من إعادة عدد كبير من أولئك المبعدين والمشردين إلى الأقطار العربية.

شرعنا في وضع خطة للعمل تبدأ بدعوة الهيئة العربية العليا لفلسطين للاجتماع، وبدعم موقف الشعب الفلسطيني في مقاومته للسياسة البريطانية والوجود الصهيوني في فلسطين، وشرعت المخابرات البريطانية من ناحيتها في التجسس علينا ونصب شباكها حولنا، فأخذ مراسلو الصحف الإنكليزية وغيرها، من عملاء الإنكليز والصهيونيين، يفدون علينا أو يتصلون بنا للحصول على أحاديث وتصريحات، لا يلبثون أن يشوهوها ليختلقوا علينا الأكاذيب، وكان معظم مراسلي الصحف الإنكليزية والأمريكية والفرنسية وما زالوا من اليهود يخدمون القضية الصهيونية ويعادون قضية فلسطين والقضايا العربية.

وكان من جواسيس الإنكليز ورجال مخابراتهم المشهورين مستر (دونفل) الذي عرفناه من قبل مديراً لقسم مخابرات الجيش البريطاني في فلسطين، ثم انتقل إلى العراق للتجسس على العراقيين والفلسطينيين، وكان دونفل يتخذ له عدة مساكن في البلد الواحد، مبالغة منه في الدهاء والاختفاء، ثم جاء إلى القاهرة عندما كنت فيها، ووسّط بعض معارفي لزيارتي في منزلي بحلمية الزيتون، فلما انتقلت إلى ضاحية مصر الجديدة اختارها هو ونقل سكناً له، وفي إحدى زياراته لي حاول أن يقنعني بالعودة إلى فلسطين، والإنكليز ما زالوا فيها.. وكان دونفل يزعم أن الحكومة البريطانية أعفته من الخدمة، وأنه لا يملك شيئاً من حطام الدنيا، ويتظاهر بالفقر ويسكن غرفة ضيقة على سطح إحدى العمارات، ليدلل بذلك على قلة ماله وسوء حاله، ويتردد على المقهى الذي يرتاده الفلسطينيون بمصر الجديدة، فيختلط بهم ويتحدث إليهم، وعرفت فيما بعد أنه كان ذا صلة بمخابرات القوات المسلحة المصرية! ومن طرائف دونفل في العراق، عندما كنت ببغداد أن الحكومة العراقية أرسلت وفداً رسمياً إلى المملكة العربية السعودية للبحث في شؤون تهم الدولتين، وسافر الوفد من بغداد في طائرة يقودها طيارون إنكليز، واندس في غرفة القيادة مع الطيارين، كأنه واحد منهم، خلال رحلة الوفد ذهاباً وإياباً، وكان دونفل يحسن الحديث باللغة العربية...

English
translation

Regarding the late Tahsin al-Askari, I mention here that the secretariat-general of the Arab League had entrusted him with the task of facilitating the return of the Arab exiles and displaced persons who remained in various European countries after the end of the war. Their condition had worsened because their resources had been cut off and they were unable to return to their countries. A sum of money was allocated for this purpose. Al-Askari accepted the task, performed commendable service in this field, and succeeded in returning a large number of those exiles and displaced persons to the Arab countries.

We began drawing up a plan for action, beginning with an invitation to the Higher Arab Body for Palestine to meet and with support for the Palestinian people’s position in resisting British policy and the Zionist presence in Palestine. For its part, British intelligence began spying on us and setting its nets around us. Correspondents of the English and other newspapers, agents of the English and the Zionists, began coming to us or contacting us to obtain interviews and statements, which they soon distorted in order to fabricate lies about us. Most of the correspondents of the English, American, and French newspapers, and still most of them, were Jews serving the Zionist cause and hostile to the Palestine cause and the Arab causes.

Among the well-known British spies and intelligence officers was Mr. Dunfel, whom we had previously known as director of the British Army Intelligence section in Palestine. He then moved to Iraq to spy on the Iraqis and Palestinians. Dunfel kept several residences in each country, as an excess of cunning and concealment. He came to Cairo when I was there and used some of my acquaintances to arrange a visit to me at my home in Hilmiyya al-Zaytun. When I moved to the Heliopolis suburb, he chose it as well and moved his residence there. During one of his visits, he tried to persuade me to return to Palestine while the English were still there. Dunfel claimed that the British government had released him from service and that he owned nothing of this world’s goods. He pretended to be poor and lived in a narrow room on the roof of one of the buildings to demonstrate his lack of money and poor condition. He frequented the café attended by Palestinians in Heliopolis, mixing with them and speaking to them. I later learned that he had connections with Egyptian armed-forces intelligence. One of Dunfel’s amusing exploits in Iraq, when I was in Baghdad, was that the Iraqi government sent an official delegation to Saudi Arabia to discuss matters concerning the two countries. The delegation traveled from Baghdad in an aircraft piloted by English pilots, and Dunfel concealed himself in the cockpit with the pilots, as though he were one of them, during the delegation’s outbound and return journey. Dunfel was fluent in Arabic

Analysis

Printed page 269 records Tahsin al-Askari’s work assisting Arab exiles and the author’s plan to reactivate the Higher Arab Body for Palestine. It preserves the memoir’s hostile claims about British intelligence, newspaper correspondents, Zionism, and the alleged spy Dunfel, including detailed concealment anecdotes. The page ends mid-sentence with Dunfel’s Arabic fluency, continuing onto page 270. These allegations are not independently verified here.

Raw transcript

وعلى ذكر المرحوم تحسين العسكري، أذكر هنا أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية كانت قد عهدت إليه بمهمة السعي لتسهيل عودة المبعدين والمشردين العرب، الذين ظلوا في مختلف البلاد الأوروبية بعد انتهاء الحرب، وساءت حالهم لانقطاع مواردهم وعدم استطاعتهم العودة إلى بلادهم، وخصصت مبلغاً من المال لهذه الغاية، فقبل المرحوم العسكري هذه المهمة، وقام بخدمة مشكورة في هذا المجال، وتمكن من إعادة عدد كبير من أولئك المبعدين والمشردين إلى الأقطار العربية.

شرعنا في وضع خطة للعمل تبدأ بدعوة الهيئة العربية العليا لفلسطين للاجتماع، وبدعم موقف الشعب الفلسطيني في مقاومته للسياسة البريطانية والوجود الصهيوني في فلسطين، وشرعت المخابرات البريطانية من ناحيتها في التجسس علينا ونصب شباكها حولنا، فأخذ مراسلو الصحف الإنكليزية وغيرها، من عملاء الإنكليز والصهيونيين، يفدون علينا أو يتصلون بنا للحصول على أحاديث وتصريحات، لا يلبثون أن يشوهوها ليختلقوا علينا الأكاذيب، وكان معظم مراسلي الصحف الإنكليزية والأمريكية والفرنسية وما زالوا من اليهود يخدمون القضية الصهيونية ويعادون قضية فلسطين والقضايا العربية.

وكان من جواسيس الإنكليز ورجال مخابراتهم المشهورين مستر (دونفل) الذي عرفناه من قبل مديراً لقسم مخابرات الجيش البريطاني في فلسطين، ثم انتقل إلى العراق للتجسس على العراقيين والفلسطينيين، وكان دونفل يتخذ له عدة مساكن في البلد الواحد، مبالغة منه في الدهاء والاختفاء، ثم جاء إلى القاهرة عندما كنت فيها، ووسّط بعض معارفي لزيارتي في منزلي بحلمية الزيتون، فلما انتقلت إلى ضاحية مصر الجديدة اختارها هو ونقل سكناً له، وفي إحدى زياراته لي حاول أن يقنعني بالعودة إلى فلسطين، والإنكليز ما زالوا فيها.. وكان دونفل يزعم أن الحكومة البريطانية أعفته من الخدمة، وأنه لا يملك شيئاً من حطام الدنيا، ويتظاهر بالفقر ويسكن غرفة ضيقة على سطح إحدى العمارات، ليدلل بذلك على قلة ماله وسوء حاله، ويتردد على المقهى الذي يرتاده الفلسطينيون بمصر الجديدة، فيختلط بهم ويتحدث إليهم، وعرفت فيما بعد أنه كان ذا صلة بمخابرات القوات المسلحة المصرية! ومن طرائف دونفل في العراق، عندما كنت ببغداد أن الحكومة العراقية أرسلت وفداً رسمياً إلى المملكة العربية السعودية للبحث في شؤون تهم الدولتين، وسافر الوفد من بغداد في طائرة يقودها طيارون إنكليز، واندس في غرفة القيادة مع الطيارين، كأنه واحد منهم، خلال رحلة الوفد ذهاباً وإياباً، وكان دونفل يحسن الحديث باللغة العربية...