مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 270

Normalized
transcript

وكانت القاهرة في الحرب العالمية الثانية، وبعدها بسنوات، مركز المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط، وكان (مكتب الصحافة) لصاحبته (سنية قراعة) يقوم في شارع سليمان باشا، وتحدث في الشهور الأولى من وصولي مصر أن زعمت صاحبة هذا المكتب أن أحد موظفيها عثر، وهو في طريقه إلى دار السفارة السوفياتية بالقاهرة، على كتاب ملقى على الأرض، فالتقطه فوجدته رسالة موجهة مني إلى السفارة تدل على وجود علاقات واتصالات لي بالاتحاد السوفياتي..

فاتصلت السيدة قراعة بالبيلاراي (هجروس) وهو ضابط مخابرات مصري، ومن عملاء الإنكليز في وزارة الداخلية المصرية، وأطلعته على الكتاب، وكان وكيل وزارة الداخلية رفعت باشا من أكبر عملاء المخابرات البريطانية في مصر. فجرى التحقيق في أمر الكتاب المزعوم، وثبت للفنيين من المحققين تزوير الكتاب، لوجود اختلاف في التوقيع، ولأن طريقة العثور على الكتاب كانت غير مقنعة، إذ لا يعقل أن كتاباً كهذا يكون عرضة للسقوط والتقاط المارة له كما ادعى أولئك المبطلون، لكن المهم في الأمر أن وكيل الوزارة رفعت باشا المعروف بأنه من أعوان الإنكليز الذين ينفذون أوامرهم وتعليماتهم، أكد صحة التوقيع والكتاب، وقال إنه يقرر ذلك على مسؤوليته... إلا أن الجهات المصرية العليا لم تأخذ بأقواله، وأمرت بمراقبة مكتب الصحافة المذكور ومنزل صاحبته، لمعرفة الجهات التي تتصل بها والذين تتعامل معهم.

إن الله يمهل ولا يهمل، إذ لم يلبث رفعت باشا طويلاً حتى ثبت خيانته لوطنه مصر، فقد ثبت أنه سلم الإنكليز أوراقاً مهمة سرية كانت للدولة المصرية تحرص على سريتها، وكان ذلك في عهد حكومة محمود فهمي النقراشي باشا، فأقيل رفعت من وظيفته، وما كان الله ليصلح عمل المفسدين.

وكانت هذه إحدى الوسائل العديدة التي توسلت بها المخابرات البريطانية وعملاؤها لإفساد علاقتنا بمصر وعدم تمكيننا من القيام بواجباتنا الوطنية في ذلك الحين، ونحن في حاجة ماسة إلى مجال واسع للعمل في مصر والأقطار العربية.

لما جئت مصر هذه المرة كان المرحوم مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد المصري خارج الحكم. وقد فاتني عندما تحدثت فيما سبق من هذه المذكرات عن وضع مسلمي يوغسلافيا، وما أصيبوا له من محنة ونكبة قاسية على أيدي العصابات الصربية التي كان يقودها الجنرال ميخائيلوفيتش أن أنوه بموقف جليل لمصطفى النحاس باشا في مساعدتهم وتخفيف كارثتهم التي فقدوا فيها مئتي ألف قتيل. وبيان ذلك أن ملك

English
translation

During the Second World War, and for years afterward, Cairo was the center of British intelligence in the Middle East. The Press Office, owned by Saniyya Qaraʿa, operated on Sulayman Pasha Street. In the first months after my arrival in Egypt, the owner of this office claimed that one of her employees, while on his way to the Soviet Embassy in Cairo, had found a book lying on the ground. He picked it up and found it to be a letter addressed by me to the embassy, indicating that I had relations and contacts with the Soviet Union.

Mrs. Qaraʿa contacted the police officer Higrus, an Egyptian intelligence officer and one of the English agents in the Egyptian Interior Ministry, and showed him the book. The undersecretary of the Interior Ministry, Rifʿat Pasha, was one of the greatest agents of British intelligence in Egypt. An investigation was conducted into the alleged book, and the technical examiners established that it was forged because of differences in the signature and because the manner in which it was supposedly found was unconvincing. It was not plausible that such a letter would be liable to fall and be picked up by passersby, as those falsifiers claimed. But what mattered was that the undersecretary, Rifʿat Pasha, known as one of the English helpers who carried out their orders and instructions, confirmed the authenticity of the signature and the letter and said that he stood by that conclusion personally. The higher Egyptian authorities nevertheless did not accept his statements and ordered surveillance of the Press Office and its owner’s home to discover whom she contacted and with whom she dealt.

God gives respite but does not neglect. Rifʿat Pasha did not remain long before his treason against his Egyptian homeland was established. It was proven that he had handed the English important secret documents belonging to the Egyptian state, documents whose secrecy the state was determined to protect. This occurred under the government of Mahmoud Fahmi al-Nuqrashi Pasha. Rifʿat was dismissed from his post, and God would not set right the work of those who spread corruption.

This was one of the many means used by British intelligence and its agents to corrupt our relations with Egypt and prevent us from carrying out our national duties at that time, when we were in urgent need of a broad field for work in Egypt and the Arab countries.

When I came to Egypt this time, the late Mustafa al-Nahhas Pasha, leader of the Egyptian delegation, was out of office. When I spoke earlier in these memoirs about the condition of the Muslims of Yugoslavia and the severe trial and catastrophe they suffered at the hands of the Serbian gangs led by General Mihailović, I failed to mention a noble action by Mustafa al-Nahhas Pasha in helping them and easing their catastrophe, in which they lost two hundred thousand dead. The matter was that the king

Analysis

Printed page 270 presents the author’s allegation of a forged letter linking him to the Soviet Embassy, his accusation that Egyptian officials and British agents were involved, and the later dismissal of Rifʿat Pasha for alleged treason. It then introduces Mustafa al-Nahhas Pasha’s assistance to Muslims in Yugoslavia and ends with the sentence identifying King Peter II, continued on page 271. These are memoir claims and are not independently verified here.

Raw transcript

وكانت القاهرة في الحرب العالمية الثانية، وبعدها بسنوات، مركز المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط، وكان (مكتب الصحافة) لصاحبته (سنية قراعة) يقوم في شارع سليمان باشا، وتحدث في الشهور الأولى من وصولي مصر أن زعمت صاحبة هذا المكتب أن أحد موظفيها عثر، وهو في طريقه إلى دار السفارة السوفياتية بالقاهرة، على كتاب ملقى على الأرض، فالتقطه فوجدته رسالة موجهة مني إلى السفارة تدل على وجود علاقات واتصالات لي بالاتحاد السوفياتي..

فاتصلت السيدة قراعة بالبيلاراي (هجروس) وهو ضابط مخابرات مصري، ومن عملاء الإنكليز في وزارة الداخلية المصرية، وأطلعته على الكتاب، وكان وكيل وزارة الداخلية رفعت باشا من أكبر عملاء المخابرات البريطانية في مصر. فجرى التحقيق في أمر الكتاب المزعوم، وثبت للفنيين من المحققين تزوير الكتاب، لوجود اختلاف في التوقيع، ولأن طريقة العثور على الكتاب كانت غير مقنعة، إذ لا يعقل أن كتاباً كهذا يكون عرضة للسقوط والتقاط المارة له كما ادعى أولئك المبطلون، لكن المهم في الأمر أن وكيل الوزارة رفعت باشا المعروف بأنه من أعوان الإنكليز الذين ينفذون أوامرهم وتعليماتهم، أكد صحة التوقيع والكتاب، وقال إنه يقرر ذلك على مسؤوليته... إلا أن الجهات المصرية العليا لم تأخذ بأقواله، وأمرت بمراقبة مكتب الصحافة المذكور ومنزل صاحبته، لمعرفة الجهات التي تتصل بها والذين تتعامل معهم.

إن الله يمهل ولا يهمل، إذ لم يلبث رفعت باشا طويلاً حتى ثبت خيانته لوطنه مصر، فقد ثبت أنه سلم الإنكليز أوراقاً مهمة سرية كانت للدولة المصرية تحرص على سريتها، وكان ذلك في عهد حكومة محمود فهمي النقراشي باشا، فأقيل رفعت من وظيفته، وما كان الله ليصلح عمل المفسدين.

وكانت هذه إحدى الوسائل العديدة التي توسلت بها المخابرات البريطانية وعملاؤها لإفساد علاقتنا بمصر وعدم تمكيننا من القيام بواجباتنا الوطنية في ذلك الحين، ونحن في حاجة ماسة إلى مجال واسع للعمل في مصر والأقطار العربية.

لما جئت مصر هذه المرة كان المرحوم مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد المصري خارج الحكم. وقد فاتني عندما تحدثت فيما سبق من هذه المذكرات عن وضع مسلمي يوغسلافيا، وما أصيبوا له من محنة ونكبة قاسية على أيدي العصابات الصربية التي كان يقودها الجنرال ميخائيلوفيتش أن أنوه بموقف جليل لمصطفى النحاس باشا في مساعدتهم وتخفيف كارثتهم التي فقدوا فيها مئتي ألف قتيل. وبيان ذلك أن ملك