وكانت القاهرة في الحرب العالمية الثانية، وبعدها بسنوات، مركز المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط، وكان (مكتب الصحافة) لصاحبته (سنية قراعة) يقوم في شارع سليمان باشا، وتحدث في الشهور الأولى من وصولي مصر أن زعمت صاحبة هذا المكتب أن أحد موظفيها عثر، وهو في طريقه إلى دار السفارة السوفياتية بالقاهرة، على كتاب ملقى على الأرض، فالتقطه فوجدته رسالة موجهة مني إلى السفارة تدل على وجود علاقات واتصالات لي بالاتحاد السوفياتي..
فاتصلت السيدة قراعة بالبيلاراي (هجروس) وهو ضابط مخابرات مصري، ومن عملاء الإنكليز في وزارة الداخلية المصرية، وأطلعته على الكتاب، وكان وكيل وزارة الداخلية رفعت باشا من أكبر عملاء المخابرات البريطانية في مصر. فجرى التحقيق في أمر الكتاب المزعوم، وثبت للفنيين من المحققين تزوير الكتاب، لوجود اختلاف في التوقيع، ولأن طريقة العثور على الكتاب كانت غير مقنعة، إذ لا يعقل أن كتاباً كهذا يكون عرضة للسقوط والتقاط المارة له كما ادعى أولئك المبطلون، لكن المهم في الأمر أن وكيل الوزارة رفعت باشا المعروف بأنه من أعوان الإنكليز الذين ينفذون أوامرهم وتعليماتهم، أكد صحة التوقيع والكتاب، وقال إنه يقرر ذلك على مسؤوليته... إلا أن الجهات المصرية العليا لم تأخذ بأقواله، وأمرت بمراقبة مكتب الصحافة المذكور ومنزل صاحبته، لمعرفة الجهات التي تتصل بها والذين تتعامل معهم.
إن الله يمهل ولا يهمل، إذ لم يلبث رفعت باشا طويلاً حتى ثبت خيانته لوطنه مصر، فقد ثبت أنه سلم الإنكليز أوراقاً مهمة سرية كانت للدولة المصرية تحرص على سريتها، وكان ذلك في عهد حكومة محمود فهمي النقراشي باشا، فأقيل رفعت من وظيفته، وما كان الله ليصلح عمل المفسدين.
وكانت هذه إحدى الوسائل العديدة التي توسلت بها المخابرات البريطانية وعملاؤها لإفساد علاقتنا بمصر وعدم تمكيننا من القيام بواجباتنا الوطنية في ذلك الحين، ونحن في حاجة ماسة إلى مجال واسع للعمل في مصر والأقطار العربية.
لما جئت مصر هذه المرة كان المرحوم مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد المصري خارج الحكم. وقد فاتني عندما تحدثت فيما سبق من هذه المذكرات عن وضع مسلمي يوغسلافيا، وما أصيبوا له من محنة ونكبة قاسية على أيدي العصابات الصربية التي كان يقودها الجنرال ميخائيلوفيتش أن أنوه بموقف جليل لمصطفى النحاس باشا في مساعدتهم وتخفيف كارثتهم التي فقدوا فيها مئتي ألف قتيل. وبيان ذلك أن ملك