يوغسلافيا بطرس الثاني كان لاجئاً إلى مصر في ذلك الحين، يحكم علاقاته الودية مع بريطانيا وحلفائها في الحرب، وكذلك كان عدد غير قليل من رعاياه اليوغسلافين لاجئين إليها، فلما سافرت من برلين إلى بلاد البوسنة، وسعيت جاهداً لدى السلطات الألمانية لتخفيف كارثتهم وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم، كتبت رسالة إلى النحاس باشا، وصفت له فيها حالهم على حقيقتها، والتمست منه أن يعمل ما في وسعه لمساعدتهم، وأن يحدث الملك بطرس في شأنهم، لأن ميخائيلوفيتش كان من أتباعه، وأرسلت الرسالة إلى النحاس باشا بواسطة القنصلية المصرية في اسطنبول، فأثارت الرسالة حماسة الرئيس المصري وشعوره الإنساني، وتوجه من فوره فزار الملك بطرس وحدثه في الأمر، ثم هدد بإخراج جميع الرعايا اليوغسلافين من مصر إذا لم يستجب الملك ويعمل على وقف المذابح في مسلمي يوغسلافيا، وكان لذلك الموقف الحازم أثره الحاسم في نفس الملك بطرس ووقف تلك المذابح المروعة.
ولم يكتف النحاس باشا بذلك العمل الجليل، إذ حمل الحكومة المصرية على التبرع بخمسة وعشرين ألف جنيه مصري والهلال الأحمر المصري بخمسة وعشرين ألفاً أخرى، وأرسل الحسن الثاني إلى الصليب الأحمر لتوزيعها على منكوبى المسلمين في يوغسلافيا، وقام الصليب الأحمر مشكوراً بهذه المهمة الإنسانية.
وقد تلقيت من النحاس باشا جواباً على رسالتي، مشتملاً على ما اتخذه من إجراءات في هذا الشأن.
أما الموقف الثاني لمصطفى النحاس الذي تجلت فيه الرجولة والشهامة، ما تجب الإشادة به، فقد كان خاصاً بإخواننا الفلسطينيين الذين استقروا في تركيا خلال الحرب، ولم يسلموا من أذى السلطات البريطانية التي أخذت تضغط على الحكومة التركية لحملها على إرهاقهم وتسليمهم إليها أو إخراجهم من بلادها، ومارست الحكومة التركية حينئذ هذا الضغط فعلاً، حتى ضاق إخواننا ذرعاً، وقد حملني ذلك على الكتابة في شأنهم إلى النحاس باشا، وكان رئيساً للحكومة المصرية، فبادر رحمه الله بالاتصال بالأستاذ كامل عبد الرحيم سفير مصر في أنقرة في شأنهم، وكلفه إبلاغ الحكومة التركية أن مصر لا ترضى لها هذا الموقف الذي تقفه من الوطنيين الفلسطينيين، وأنها إذا ظلت مصرة عليه فإن مصر على استعداد لقبولهم في بلادها على الرحب والسعة، ومعاملتهم المعاملة اللائقة الكريمة التي هم أهل لها، وقد بادر السفير بإبلاغ رغبة النحاس باشا إلى الحكومة التركية التي خشيت أن يسيء موقفها هذا إلى سمعتها في الخارج، فرفعت الضغط عن أولئك الإخوان وعادت إلى معاملتهم بالحسنى.