مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 271

Normalized
transcript

يوغسلافيا بطرس الثاني كان لاجئاً إلى مصر في ذلك الحين، يحكم علاقاته الودية مع بريطانيا وحلفائها في الحرب، وكذلك كان عدد غير قليل من رعاياه اليوغسلافين لاجئين إليها، فلما سافرت من برلين إلى بلاد البوسنة، وسعيت جاهداً لدى السلطات الألمانية لتخفيف كارثتهم وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم، كتبت رسالة إلى النحاس باشا، وصفت له فيها حالهم على حقيقتها، والتمست منه أن يعمل ما في وسعه لمساعدتهم، وأن يحدث الملك بطرس في شأنهم، لأن ميخائيلوفيتش كان من أتباعه، وأرسلت الرسالة إلى النحاس باشا بواسطة القنصلية المصرية في اسطنبول، فأثارت الرسالة حماسة الرئيس المصري وشعوره الإنساني، وتوجه من فوره فزار الملك بطرس وحدثه في الأمر، ثم هدد بإخراج جميع الرعايا اليوغسلافين من مصر إذا لم يستجب الملك ويعمل على وقف المذابح في مسلمي يوغسلافيا، وكان لذلك الموقف الحازم أثره الحاسم في نفس الملك بطرس ووقف تلك المذابح المروعة.

ولم يكتف النحاس باشا بذلك العمل الجليل، إذ حمل الحكومة المصرية على التبرع بخمسة وعشرين ألف جنيه مصري والهلال الأحمر المصري بخمسة وعشرين ألفاً أخرى، وأرسل الحسن الثاني إلى الصليب الأحمر لتوزيعها على منكوبى المسلمين في يوغسلافيا، وقام الصليب الأحمر مشكوراً بهذه المهمة الإنسانية.

وقد تلقيت من النحاس باشا جواباً على رسالتي، مشتملاً على ما اتخذه من إجراءات في هذا الشأن.

أما الموقف الثاني لمصطفى النحاس الذي تجلت فيه الرجولة والشهامة، ما تجب الإشادة به، فقد كان خاصاً بإخواننا الفلسطينيين الذين استقروا في تركيا خلال الحرب، ولم يسلموا من أذى السلطات البريطانية التي أخذت تضغط على الحكومة التركية لحملها على إرهاقهم وتسليمهم إليها أو إخراجهم من بلادها، ومارست الحكومة التركية حينئذ هذا الضغط فعلاً، حتى ضاق إخواننا ذرعاً، وقد حملني ذلك على الكتابة في شأنهم إلى النحاس باشا، وكان رئيساً للحكومة المصرية، فبادر رحمه الله بالاتصال بالأستاذ كامل عبد الرحيم سفير مصر في أنقرة في شأنهم، وكلفه إبلاغ الحكومة التركية أن مصر لا ترضى لها هذا الموقف الذي تقفه من الوطنيين الفلسطينيين، وأنها إذا ظلت مصرة عليه فإن مصر على استعداد لقبولهم في بلادها على الرحب والسعة، ومعاملتهم المعاملة اللائقة الكريمة التي هم أهل لها، وقد بادر السفير بإبلاغ رغبة النحاس باشا إلى الحكومة التركية التي خشيت أن يسيء موقفها هذا إلى سمعتها في الخارج، فرفعت الضغط عن أولئك الإخوان وعادت إلى معاملتهم بالحسنى.

English
translation

of Yugoslavia, Peter II, was then a refugee in Egypt, maintaining friendly relations with Britain and its wartime allies. A considerable number of his Yugoslav subjects were also refugees there. When I traveled from Berlin to Bosnia and worked hard with the German authorities to ease their catastrophe and enable them to defend themselves, I wrote a letter to al-Nahhas Pasha describing their condition truthfully and asking him to do what he could to help them and speak to King Peter about them, because Mihailović was one of his followers. I sent the letter to al-Nahhas Pasha through the Egyptian consulate in Istanbul. The letter stirred the Egyptian president’s enthusiasm and humanitarian feeling, and he immediately went to visit King Peter and spoke to him about the matter. He then threatened to expel all Yugoslav subjects from Egypt if the king did not respond and work to stop the massacres of Muslims in Yugoslavia. That firm position had a decisive effect on King Peter and brought those terrible massacres to an end.

Al-Nahhas Pasha did not stop with that noble action. He persuaded the Egyptian government to donate twenty-five thousand Egyptian pounds, and the Egyptian Red Crescent to donate another twenty-five thousand. He sent Hassan II to the Red Cross to distribute the funds among the Muslim victims in Yugoslavia, and the Red Cross commendably carried out this humanitarian task.

I received a reply from al-Nahhas Pasha to my letter, containing an account of the measures he had taken in this matter.

The second position of Mustafa al-Nahhas in which his manliness and nobility were displayed, and which deserves praise, concerned our Palestinian brothers who had settled in Turkey during the war. They were not spared the harm of the British authorities, which pressured the Turkish government to burden them, hand them over, or expel them from its country. The Turkish government in fact applied this pressure at that time, until our brothers could bear it no longer. This led me to write to al-Nahhas Pasha about them while he was prime minister of Egypt. He immediately contacted Professor Kamil Abd al-Rahim, Egypt’s ambassador in Ankara, about them and instructed him to inform the Turkish government that Egypt did not approve of the position it was taking toward the Palestinian patriots. If it persisted, Egypt was prepared to accept them in its country with open arms and treat them with the fitting and honorable treatment to which they were entitled. The ambassador promptly conveyed al-Nahhas Pasha’s wish to the Turkish government, which feared that this position would harm its reputation abroad. It therefore lifted the pressure on those brothers and resumed treating them well.

Analysis

Printed page 271 completes the account of Mustafa al-Nahhas Pasha’s intervention for Muslims in Yugoslavia, including the reported donations and Red Cross distribution, then describes his support for Palestinians in Turkey under British pressure. The page presents al-Nahhas as a protector of Arab and Muslim interests. The account remains source-owned and does not independently establish the reported diplomatic outcomes.

Raw transcript

يوغسلافيا بطرس الثاني كان لاجئاً إلى مصر في ذلك الحين، يحكم علاقاته الودية مع بريطانيا وحلفائها في الحرب، وكذلك كان عدد غير قليل من رعاياه اليوغسلافين لاجئين إليها، فلما سافرت من برلين إلى بلاد البوسنة، وسعيت جاهداً لدى السلطات الألمانية لتخفيف كارثتهم وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم، كتبت رسالة إلى النحاس باشا، وصفت له فيها حالهم على حقيقتها، والتمست منه أن يعمل ما في وسعه لمساعدتهم، وأن يحدث الملك بطرس في شأنهم، لأن ميخائيلوفيتش كان من أتباعه، وأرسلت الرسالة إلى النحاس باشا بواسطة القنصلية المصرية في اسطنبول، فأثارت الرسالة حماسة الرئيس المصري وشعوره الإنساني، وتوجه من فوره فزار الملك بطرس وحدثه في الأمر، ثم هدد بإخراج جميع الرعايا اليوغسلافين من مصر إذا لم يستجب الملك ويعمل على وقف المذابح في مسلمي يوغسلافيا، وكان لذلك الموقف الحازم أثره الحاسم في نفس الملك بطرس ووقف تلك المذابح المروعة.

ولم يكتف النحاس باشا بذلك العمل الجليل، إذ حمل الحكومة المصرية على التبرع بخمسة وعشرين ألف جنيه مصري والهلال الأحمر المصري بخمسة وعشرين ألفاً أخرى، وأرسل الحسن الثاني إلى الصليب الأحمر لتوزيعها على منكوبى المسلمين في يوغسلافيا، وقام الصليب الأحمر مشكوراً بهذه المهمة الإنسانية.

وقد تلقيت من النحاس باشا جواباً على رسالتي، مشتملاً على ما اتخذه من إجراءات في هذا الشأن.

أما الموقف الثاني لمصطفى النحاس الذي تجلت فيه الرجولة والشهامة، ما تجب الإشادة به، فقد كان خاصاً بإخواننا الفلسطينيين الذين استقروا في تركيا خلال الحرب، ولم يسلموا من أذى السلطات البريطانية التي أخذت تضغط على الحكومة التركية لحملها على إرهاقهم وتسليمهم إليها أو إخراجهم من بلادها، ومارست الحكومة التركية حينئذ هذا الضغط فعلاً، حتى ضاق إخواننا ذرعاً، وقد حملني ذلك على الكتابة في شأنهم إلى النحاس باشا، وكان رئيساً للحكومة المصرية، فبادر رحمه الله بالاتصال بالأستاذ كامل عبد الرحيم سفير مصر في أنقرة في شأنهم، وكلفه إبلاغ الحكومة التركية أن مصر لا ترضى لها هذا الموقف الذي تقفه من الوطنيين الفلسطينيين، وأنها إذا ظلت مصرة عليه فإن مصر على استعداد لقبولهم في بلادها على الرحب والسعة، ومعاملتهم المعاملة اللائقة الكريمة التي هم أهل لها، وقد بادر السفير بإبلاغ رغبة النحاس باشا إلى الحكومة التركية التي خشيت أن يسيء موقفها هذا إلى سمعتها في الخارج، فرفعت الضغط عن أولئك الإخوان وعادت إلى معاملتهم بالحسنى.