مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 279

Normalized
transcript

وابتلاعهم الشعب الفلسطيني بها، وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت أنها ستشرع في تنفيذ سياسة الكتاب الأبيض عندما تهدأ الحال في فلسطين، وقد هدأت الحال فعلاً بعد نشوب الحرب العالمية ولكن التنفيذ لم يحدث، وظل باب الهجرة اليهودية مفتوحاً على مصراعيه سواء في ذلك الهجرة التي سماها الإنكليز (مشروعة) والهجرة غير المشروعة لليهود المهاجرين الذين كان عددهم باعتراف السلطات البريطانية لا يقل عن عدد المهاجرين الذين كانوا يسمونهم «الشرعيين». وظل الإنكليز يصرون على سياسة المراوغة والتخدير بضع سنوات مغتنمين فرصة الحرب العالمية الثانية التي جاءت مؤاتية لهم إلى أن نقضوا الكتاب الأبيض نقضاً كاملاً عام ١٩٤٦ استجابة لطلب ترومان إدخال مئة ألف يهودي دفعة واحدة إلى فلسطين وعودتهم إلى مشروع التقسيم مرة ثانية عن طريق إيجاد لجان تحقيق جديدة إلى فلسطين لتكون مبرراً لسياستهم الجديدة القديمة، وضربتهم القاصمة التي وجهوها إلى الشعب العربي الفلسطيني، بل إلى الأمة العربية والعالم الإسلامي أيضاً، بإلقائهم القضية الفلسطينية إلى ميدان الأمم المتحدة.

اليهود ونشاطهم العسكري والسياسي:

رفض اليهود السياسة التي انطوى عليها الكتاب الأبيض البريطاني لأنها لا تحقق مطامعهم فهم يريدون هجرة يهودية واسعة النطاق، مطلقة غير مقيدة ولا محدودة، وأن تطلق لهم الحرية في الاستيلاء على الأراضي العربية، الأميرية والخاصة، وهم لا يريدون حكماً مشتركاً بينهم وبين العرب يكونون فيه أقلية. إنهم يريدون أن تكون فلسطين كلها لهم، وبتعبير آخر أن تكون فلسطين يهودية كما هي إنكلترة إنكليزية كما عبر عن ذلك زعيمهم وايزمن، بل هم يريدون (إسرائيل الكبرى) من النيل إلى الفرات، ولذلك ثاروا على سياسة الكتاب الأبيض البريطاني وأخذوا يولون وجوههم شطر الولايات المتحدة الأمريكية لتكون عوناً لهم على بريطانيا مع أن بريطانيا لم تكن في يوم من الأيام موالية للشعب الفلسطيني، ولا للشعوب العربية والإسلامية. ولكنها كانت تسير مع العرب على سياسة المداورة والمراوغة ضماناً لمصالحها الاقتصادية والعسكرية في العالمين العربي والإسلامي، ولأنها بما لها من سابق الخبرة في الطرق والوسائل الاستعمارية، والسياسة العالمية كانت موقنة أن الحرب العالمية الثانية آتية وأنها ستضطر إلى خوض غمارها، فلا غنى لها عن مهادنة العرب والمسلمين ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

لكن زعماء الصهيونية الذين وطئوا أنفسهم على خدمة قضيتهم الباطلة التي لا

English
translation

and their swallowing up of the Palestinian people through it. The British government had announced that it would begin implementing the White Paper policy when conditions in Palestine calmed. Conditions did in fact calm after the outbreak of the Second World War, but implementation did not occur. The door of Jewish immigration remained wide open, including both the immigration the English called “legal” and the illegal immigration of Jewish immigrants, whose number, according to the British authorities, was no less than the number of those they called “legitimate.” The English continued their policy of evasion and sedation for several years, taking advantage of the opportunity offered by the Second World War, until in 1946 they completely repudiated the White Paper in response to Truman’s demand to bring one hundred thousand Jews into Palestine at once. They returned to the partition plan a second time by creating new committees of inquiry into Palestine to serve as a pretext for their new-old policy. They dealt their crushing blow to the Palestinian Arab people, and indeed to the Arab nation and the Islamic world as well, by throwing the Palestine question into the arena of the United Nations.

The Jews and Their Military and Political Activity:

The Jews rejected the policy contained in the British White Paper because it did not fulfill their ambitions. They wanted large-scale Jewish immigration, unrestricted and unlimited, and freedom to seize Arab lands, both state and private. They did not want a shared government with the Arabs in which they would be a minority. They wanted all of Palestine to belong to them. In other words, they wanted Palestine to be Jewish just as England is English, as their leader Weizmann expressed it. They also wanted “Greater Israel” from the Nile to the Euphrates. They therefore revolted against the policy of the White Paper and turned toward the United States to serve as their aid against Britain, even though Britain had never been an ally of the Palestinian people or of the Arab and Islamic peoples. It had followed a policy of maneuvering and evasion with the Arabs to secure its economic and military interests in the Arab and Islamic worlds, and because, with its prior experience in colonial methods and world politics, it was certain that the Second World War was coming and that it would be forced to enter it. It therefore could not do without conciliating the Arabs and Muslims as far as possible.

But the Zionist leaders, who had prepared themselves to serve their false cause, which does not

Analysis

Printed page 279 completes the account of British nonimplementation and later repudiation of the White Paper, then opens a new section on Jewish military and political activity. It preserves the source’s hostile characterization of Jewish aims, including unrestricted immigration, land seizure, opposition to shared government, and “Greater Israel,” as claims made by the memoir. The page ends mid-sentence and continues onto page 280.

Raw transcript

وابتلاعهم الشعب الفلسطيني بها، وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت أنها ستشرع في تنفيذ سياسة الكتاب الأبيض عندما تهدأ الحال في فلسطين، وقد هدأت الحال فعلاً بعد نشوب الحرب العالمية ولكن التنفيذ لم يحدث، وظل باب الهجرة اليهودية مفتوحاً على مصراعيه سواء في ذلك الهجرة التي سماها الإنكليز (مشروعة) والهجرة غير المشروعة لليهود المهاجرين الذين كان عددهم باعتراف السلطات البريطانية لا يقل عن عدد المهاجرين الذين كانوا يسمونهم «الشرعيين». وظل الإنكليز يصرون على سياسة المراوغة والتخدير بضع سنوات مغتنمين فرصة الحرب العالمية الثانية التي جاءت مؤاتية لهم إلى أن نقضوا الكتاب الأبيض نقضاً كاملاً عام ١٩٤٦ استجابة لطلب ترومان إدخال مئة ألف يهودي دفعة واحدة إلى فلسطين وعودتهم إلى مشروع التقسيم مرة ثانية عن طريق إيجاد لجان تحقيق جديدة إلى فلسطين لتكون مبرراً لسياستهم الجديدة القديمة، وضربتهم القاصمة التي وجهوها إلى الشعب العربي الفلسطيني، بل إلى الأمة العربية والعالم الإسلامي أيضاً، بإلقائهم القضية الفلسطينية إلى ميدان الأمم المتحدة.

اليهود ونشاطهم العسكري والسياسي:

رفض اليهود السياسة التي انطوى عليها الكتاب الأبيض البريطاني لأنها لا تحقق مطامعهم فهم يريدون هجرة يهودية واسعة النطاق، مطلقة غير مقيدة ولا محدودة، وأن تطلق لهم الحرية في الاستيلاء على الأراضي العربية، الأميرية والخاصة، وهم لا يريدون حكماً مشتركاً بينهم وبين العرب يكونون فيه أقلية. إنهم يريدون أن تكون فلسطين كلها لهم، وبتعبير آخر أن تكون فلسطين يهودية كما هي إنكلترة إنكليزية كما عبر عن ذلك زعيمهم وايزمن، بل هم يريدون (إسرائيل الكبرى) من النيل إلى الفرات، ولذلك ثاروا على سياسة الكتاب الأبيض البريطاني وأخذوا يولون وجوههم شطر الولايات المتحدة الأمريكية لتكون عوناً لهم على بريطانيا مع أن بريطانيا لم تكن في يوم من الأيام موالية للشعب الفلسطيني، ولا للشعوب العربية والإسلامية. ولكنها كانت تسير مع العرب على سياسة المداورة والمراوغة ضماناً لمصالحها الاقتصادية والعسكرية في العالمين العربي والإسلامي، ولأنها بما لها من سابق الخبرة في الطرق والوسائل الاستعمارية، والسياسة العالمية كانت موقنة أن الحرب العالمية الثانية آتية وأنها ستضطر إلى خوض غمارها، فلا غنى لها عن مهادنة العرب والمسلمين ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

لكن زعماء الصهيونية الذين وطئوا أنفسهم على خدمة قضيتهم الباطلة التي لا