أما القرارات السرية لمجلس الجامعة فلم تذع، وعرف فيما بعد أنها كانت تتناول حرج موقف الحكومات العربية أمام شعوبها، وعدم استطاعتها منعهم من نصرة إخوانهم الفلسطينيين بأموالهم وأنفسهم، وإبلاغ الحكومتين البريطانية والأمريكية أن قبولهما توصيات لجنة التحقيق المشتركة واعتزامهما تنفيذها يسيء إلى علاقتهما بالدول العربية ويضطرها إلى تدابير لا مناص من اتخاذها، وهذه التدابير سياسية واقتصادية كالشكوى منهما إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، وكإلغاء امتيازاتهما في البلاد العربية، وعدم السماح لهما أو لرعاياهما بامتيازات اقتصادية جديدة، وبمقاطعتهما مقاطعة أدبية وعدم تأييد مصالحهما الخاصة.
دور بريطانيا وأمريكا في كارثة فلسطين:
تقدمت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بطلب إلى الحكومة البريطانية لإجراء مفاوضات معها للوصول إلى حل لقضية فلسطين، وكان هذا الطلب تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة، المنعقد في دورة استثنائية في بلودان في ٨ حزيران ١٩٤٦، بأن تدخل الدول الأعضاء التي هي صاحبة المصالح المباشرة في فلسطين في مفاوضات مع الحكومة البريطانية، باعتبارها الدولة المنتدبة، وفي حال فشل المفاوضة تعرض قضية فلسطين على الأمم المتحدة.
كانت هذه نقطة تحول خطيرة في سير القضية الفلسطينية، كما سبق منا القول، لأنها استجابة لبيان مستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، الذي أعلن فيه أن حكومته تعتزم نقل القضية إلى الأمم المتحدة، تمهيداً لوضع فلسطين تحت وصاية دولية، وإشراك الولايات المتحدة الأمريكية فيها، وبما أن الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا مسيطرتين على الأمم المتحدة، ولهما فيها أكثرية مضمونة من الأصوات، كانت النتيجة معروفة مقدماً.
وقدمت الدول الأعضاء طلبات إلى الحكومة البريطانية في هذا الشأن، فلم تلبث أن استجابت لهذا الطلب، داعية الحكومات العربية لإيفاد ممثليها إلى مؤتمر مائدة مستديرة في لندن للنظر في قضية فلسطين.
وعلى الأثر انعقدت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في الإسكندرية في ١١ أغسطس ١٩٤٦ برئاسة المرحوم سعد الله الجابري وزير خارجية سورية حينئذ، وقررت قبول الدعوة البريطانية على أن توجه الدعوة أيضاً إلى الأمين العام للجامعة، واستجابت الحكومة البريطانية لهذا الطلب الإضافي، وتعين اليوم العاشر من أيلول ١٩٤٦ للاجتماع الأول.