مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 308

Normalized
transcript

بالقوة، ولذلك ترى نفسها مضطرة لرفع القضية إلى الأمم المتحدة لتفرض الحل الذي تراه!

التقسيم والتفريق هما ديدان السياسة البريطانية ودعامتها التي تقوم عليها، هكذا عملت في الأقطار الآسيوية والإفريقية وفي الأقطار العربية التي رزئت باحتلالها واستعمارها، فالأمة العربية التي تؤلف وحدة جغرافية والتي كان معظم أقطارها يؤلف وحدة سياسية، أصبحت الآن بفعل السياسة البريطانية مجزأة إلى ثماني عشرة دولة، وقد يزداد هذا العدد في المستقبل ما دامت سياسة تمزيق الأمة العربية وتقطيع أوصالها سائرة بنجاح، وما دامت الأمة العربية غافلة عن هذه السياسة التي ترمي إلى إضعافها وتأليب بعضها على بعض، وإثارة النزاع والخصام، وحتى الحرب، بين أقطارها بل بين أفرادها.

وأضرب مثلاً على ذلك ما فعلته بريطانيا في قرية صغيرة أيام عهد الانتداب البريطاني على فلسطين هي قرية (نطاف) إحدى قرى جبل القدس التي لم يكن عدد سكانها يزيد على مئة شخص كلهم أسرة واحدة، فلما أرادوا أن يختاروا من بينهم مختاراً (أي عمدة) للقرية أبت عليهم حكومة الانتداب إلا أن يختاروا اثنين يكون كل منهما مختاراً، وواضح أن القصد من ذلك كان تنازع النفوذ ووقوع الشقاق والخصام بين أفراد العائلة الواحدة!

بعد فشل مؤتمر لندن وعودة الوفود العربية اجتمع مجلس الجامعة العربية في القاهرة في أواخر آذار ١٩٤٧ لبحث القضية الفلسطينية، فنوقشت مسألة عرضها على الأمم المتحدة من قبل العرب عملاً بقرار مجلس الجامعة في بولدان، ووافق المجلس على اقتراح اللجنة السياسية بعرض القضية على أساس إعلان استقلال فلسطين.

وفي أوائل نيسان اجتمعت اللجنة السياسية في دمشق، واقترح ممثل الهيئة العربية العليا لفلسطين أن تباشر الدول العربية عرض القضية على الأمم المتحدة، تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة في دورته الاستثنائية في بولدان، وأن يكون عرضها على أساس التمسك بالمطالب الوطنية الأساسية، دون التقيد بالمشاريع والمقترحات السابقة لحل القضية، وأقرت اللجنة السياسية هذا الاقتراح، وأوصت الدول العربية بالعمل به.

طلبت الحكومة البريطانية من الأمانة العامة للأمم المتحدة عقد جلسة استثنائية لبحث قضية فلسطين، وعلى هذا وجهت أمانة الأمم المتحدة الدعوة إلى الدول الأعضاء للاجتماع في ٢٧ نيسان ١٩٤٧ في ليك سكسس، وأرسلت الهيئة العربية

English
translation

by force. Therefore, it saw itself as compelled to refer the question to the United Nations so that it could impose the solution it considered appropriate.

Division and fragmentation are the worms of British policy and the pillars on which it rests. Britain acted this way in the Asian and African countries and in the Arab countries afflicted by its occupation and colonialism. The Arab nation, a geographic unity whose countries had mostly formed a political unity, had now, through British policy, been divided into eighteen states. That number might increase in the future so long as the policy of tearing the Arab nation apart and severing its limbs continued successfully, and so long as the Arab nation remained unaware of this policy, which aimed to weaken it, set some of its parts against others, and stir conflict, hostility, and even war among its countries and among its individuals.

As an example, I cite what Britain did in a small village during the period of the British Mandate in Palestine, the village of Nitaf, one of the villages of the Jerusalem hills. Its population numbered no more than one hundred people, all from one family. When they wanted to choose a mukhtar, meaning a village headman, from among themselves, the Mandate government insisted that they choose two, each of whom would be a mukhtar. The purpose was clearly to create competing influence and discord and hostility among members of one family.

After the failure of the London Conference and the return of the Arab delegations, the Arab League Council met in Cairo at the end of March 1947 to discuss the Palestine question. The question of submitting it to the United Nations by the Arabs, in implementation of the League Council’s decision at Bludan, was discussed, and the Council approved the Political Committee’s proposal to submit the question on the basis of declaring Palestine’s independence.

At the beginning of April, the Political Committee met in Damascus. The representative of the Higher Arab Body for Palestine proposed that the Arab states begin presenting the question to the United Nations, implementing the League Council’s decision at its special session in Bludan, and that it be presented on the basis of upholding the fundamental national demands, without being bound by the earlier plans and proposals for resolving the question. The Political Committee approved this proposal and recommended that the Arab states act on it.

The British government asked the secretariat of the United Nations to convene a special session to discuss the Palestine question. The United Nations Secretariat accordingly invited the member states to meet on 27 April 1947 at Lake Success, and the Higher Arab Body

Analysis

Printed page 308 continues Bevin’s argument about Britain’s inability to impose a final solution, then presents the source’s broad claim that British policy divided the Arab world. It records the Nitaf village example, Arab League decisions to approach the United Nations, and the dispatch of the Palestinian delegation to Lake Success. The page ends with the delegation’s institutional identity continuing onto page 309.

Raw transcript

بالقوة، ولذلك ترى نفسها مضطرة لرفع القضية إلى الأمم المتحدة لتفرض الحل الذي تراه!

التقسيم والتفريق هما ديدان السياسة البريطانية ودعامتها التي تقوم عليها، هكذا عملت في الأقطار الآسيوية والإفريقية وفي الأقطار العربية التي رزئت باحتلالها واستعمارها، فالأمة العربية التي تؤلف وحدة جغرافية والتي كان معظم أقطارها يؤلف وحدة سياسية، أصبحت الآن بفعل السياسة البريطانية مجزأة إلى ثماني عشرة دولة، وقد يزداد هذا العدد في المستقبل ما دامت سياسة تمزيق الأمة العربية وتقطيع أوصالها سائرة بنجاح، وما دامت الأمة العربية غافلة عن هذه السياسة التي ترمي إلى إضعافها وتأليب بعضها على بعض، وإثارة النزاع والخصام، وحتى الحرب، بين أقطارها بل بين أفرادها.

وأضرب مثلاً على ذلك ما فعلته بريطانيا في قرية صغيرة أيام عهد الانتداب البريطاني على فلسطين هي قرية (نطاف) إحدى قرى جبل القدس التي لم يكن عدد سكانها يزيد على مئة شخص كلهم أسرة واحدة، فلما أرادوا أن يختاروا من بينهم مختاراً (أي عمدة) للقرية أبت عليهم حكومة الانتداب إلا أن يختاروا اثنين يكون كل منهما مختاراً، وواضح أن القصد من ذلك كان تنازع النفوذ ووقوع الشقاق والخصام بين أفراد العائلة الواحدة!

بعد فشل مؤتمر لندن وعودة الوفود العربية اجتمع مجلس الجامعة العربية في القاهرة في أواخر آذار ١٩٤٧ لبحث القضية الفلسطينية، فنوقشت مسألة عرضها على الأمم المتحدة من قبل العرب عملاً بقرار مجلس الجامعة في بولدان، ووافق المجلس على اقتراح اللجنة السياسية بعرض القضية على أساس إعلان استقلال فلسطين.

وفي أوائل نيسان اجتمعت اللجنة السياسية في دمشق، واقترح ممثل الهيئة العربية العليا لفلسطين أن تباشر الدول العربية عرض القضية على الأمم المتحدة، تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة في دورته الاستثنائية في بولدان، وأن يكون عرضها على أساس التمسك بالمطالب الوطنية الأساسية، دون التقيد بالمشاريع والمقترحات السابقة لحل القضية، وأقرت اللجنة السياسية هذا الاقتراح، وأوصت الدول العربية بالعمل به.

طلبت الحكومة البريطانية من الأمانة العامة للأمم المتحدة عقد جلسة استثنائية لبحث قضية فلسطين، وعلى هذا وجهت أمانة الأمم المتحدة الدعوة إلى الدول الأعضاء للاجتماع في ٢٧ نيسان ١٩٤٧ في ليك سكسس، وأرسلت الهيئة العربية