أمرها مندوب «هايتي» الذي أكد لطفر الله خان مندوب باكستان وغيره من المندوبين أنه اضطر للتوقيع على القرار وعيناه تفيضان من الدمع، وأبلغ مندوب الدومينيكان الدكتور هنريكوس الوفد الفلسطيني في الأمم المتحدة أنه يرى التقسيم أمراً غير واقعي ولا منطقي ولا ينتج عنه إلا سفك الدماء.
لقد كنت في أمريكا عندما تسلم «ترومان» منصب رئاسة الجمهورية إثر موت «روزفلت»، كان فريق من الأهالي حشداً مستبشراً ومتوقعاً أن يكون الخلف خيراً من السلف، لكن الواقع أخلف الظن فإن ترومان لم يكد يتسلم زمام الحكم حتى انحاز إلى الصهيونيين انحيازاً زاد فيه كل أسلافه فقد طالب بإدخال مئة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، ثم وافق على إرسال لجنة التحقيق الإنكلو أميركية إلى فلسطين عام ١٩٤٦ التي أظهرت تحيزاً عظيماً للصهيونيين وأصدرت تقريراً هو أبعد ما يكون عن العدل والنزاهة، إذ أوصت بإدخال مئة ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين، وقضت بأن لا تكون الهجرة اليهودية رهينة برضاء العرب، وأباحت انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، وأهملت مطالب العرب وأنكرت عليهم حق تقرير المصير، وقد أظهر ترومان أنه صهيوني أكثر من الصهيونيين إذ أمر الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة بأن يصر على التقسيم، وعلى أن تكون العقبة وأراضي النقب كلها لليهود.
وقد أكد هذه الحقيقة الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان في مذكراته قائلاً: «إنه عندما اشتدت معارضة العرب للتقسيم، شعر رئيس الوفد الأمريكي السفير «هيرشل جونسون» أنه يجب تخفيف حدة مقاومة العرب، ولاسيما أن مشروع التقسيم يمنح اليهود مساحات كبيرة من الأراضي وهو أمر يثير العرب، فاعتزم الوفد الأمريكي أن يقوم بتسوية على أساس إعطاء العرب قسماً من أراضي النقب، مع ميناء العقبة وضمه إلى أراضي الدولة المقترحة» وأضاف وايزمان: «إنه عندما علم بذلك أصابه خوف شديد فسافر من فلسطين إلى واشنطن خصيصاً وأن ترومان استقبله يوم ١٩ نوفمبر ١٩٤٧ بعطف شديد ولطف عظيم، فحدثه وايزمان في إمكان ري أراضي النقب وإمكان ريها بإحدى طريقين: أما بإسالة المياه إليها من الشمال وفقاً لمشروع «لوذر ميلك» (١) وأما من المياه الجوفية الموفرة فيها، وإذا كان لا بد من إعطاء العرب قسماً من النقب فليكن التقسيم على أساس خط عمودي (من الشمال إلى الجنوب)، لا على
(١) مشروع «لوذر ميلك» نسبة إلى خبير الأراضي والري الأمريكي والتر كلي لوذر ميلك، الذي استدعته الوكالة اليهودية عام ١٩٣٨ بالاتفاق مع أمريكا لدراسة المياه في فلسطين وإمكانية استغلالها لري صحراء النقب، نشر هذا الخبير كتاباً بعنوان «فلسطين أرض الميعاد» ضمنه مشروعه الشهير.