وبصدور قرار التقسيم أيقن الفلسطينيون أنهم أمام حدث خطير.. لقد قضوا حتى ذلك الحين ما يزيد على ربع قرن وهم يقارعون الاحتلال البريطاني والغزو الصهيوني رغم قلة عددهم وضآلة مواردهم ووسائلهم، ولم يفت ذلك في أعضادهم، وهاهم الآن يرون الخطر يتفاقم، وليس لهم سبيل إلا الصبر على المكروه، وتقبل المعركة بروح الإيمان وقوة العزيمة، لقد كانوا في معاركهم السابقة يقاتلون وحدهم دون أن يكون لهم عون أو نصير من إخوانهم في الأقطار العربية المجاورة إلا ما لا يكاد يعتد به، لكنهم هذه المرة شعروا أنهم جزء من حلف عربي، وأنهم لا بد مدعومون من إخوانهم العرب بعدما تألفت «الجامعة العربية» التي ضمت عدة دول عربية، واشتمل ميثاقها الموقع في ٢٣ آذار ١٩٤٥ على ملحق خاص بفلسطين اعتبرت فلسطين بمقتضاه مستقلة وغير تابعة لأية دولة أخرى ويحق لها الاشتراك في أعمال مجلس الجامعة، وكذلك اشتمل ميثاق اللجنة التحضيرية للجامعة العربية المعروف «ببروتوكول الاسكندرية» المعلن في ٧ تشرين الأول ١٩٤٤ على «قرار خاص بفلسطين» اعتبرت بموجبه ركناً مهماً من أركان البلاد العربية.
إن هذا الوضع الجديد للقضية الفلسطينية حمل الشعب الفلسطيني على الاعتقاد بأن فلسطين أصبحت جزءاً من حلف عربي لأن ميثاق الجامعة اعتبرها «قطراً عربياً مستقلاً»، وأن بروتوكول الاسكندرية اعتبرها ركناً مهماً من أركان البلاد العربية يجب المحافظة على أراضيه والوصول إلى استقلاله، لذلك أخذ الشعب الفلسطيني زمام المبادرة بالقتال والدخول في معارك ضارية مع العدو ليبرهن على أنه شعب معتدى عليه، وأن له وطناً يراد اغتصابه وتحويله إلى دولة إسرائيلية خلافاً للحق والعدل والشرائع الدولية.
أخذ الفلسطينيون يتسلحون بما يستطيعون اشتراءه بأموالهم من الأقطار المجاورة كشرق الأردن، وسورية، ولبنان، وأخذت الهيئة العربية العليا لفلسطين تعنى بهذا الأمر عناية جدية قبل أي أمر آخر، فقد كنت وما أزال أعتقد أن الحل الوحيد القاطع لمشكلتنا مع الصهيونيين لا يكون إلا بالتغلب عليهم بالقوة ولقد أيقنت بهذا منذ أول أدوار القضية الفلسطينية لمعرفتي بمطامع الصهيونيين وخطورة أهدافهم وأخذت بعد وصولي مصر أوالي الاجتماع بالقائدين الشهيدين عبد القادر الحسيني وحسن سلامة وغيرهما من المجاهدين والعسكريين للحصول على السلاح من مصادره، وكان أهم مورد لنا أول الأمر السلاح الذي حصلنا عليه من مخلفات الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية ما بين مصر وليبيا ثم في ليبيا نفسها، ولكن ذلك السلاح