استعمارهم وإثارة الكراهية والبغضاء بين الأهليين وحكامهم، فالولاية أو المنطقة التي أكثر سكانها مسلمون يعينون لها حاكماً هندوكياً كما هي الحال في كشمير، والتي أكثر سكانها هنادك يعينون لها حاكماً مسلماً كما فعلوا في حيدر أباد، لكن ليظل الكره والخلاف قائماً بين الراعي والرعية، ويلجأ الطرفان إلى السادة الإنكليز في كل كارثة وملمة.
وقد شعرت فلسطين قبل غيرها من الأقطار العربية بالحاجة إلى الوحدة وقيام جامعة تجمع العرب في مختلف أقطارهم لخطورة الحال التي كانت تعانيها من تآمر الامبراطورية البريطانية واليهودية العالمية عليها، مضافاً إليهما الدول الاستعمارية الأخرى التي عضدت اليهود، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، شعر الفلسطينيون بذلك فطالبوا بالوحدة مع سورية وأطلقوا على فلسطين اسم (سورية الجنوبية)، وأعلنوا أمام لجنة الاستفتاء الأمريكية التي زارت فلسطين عام ١٩١٩ وهي اللجنة المعروفة بلجنة «كينغ - كراين» أنهم يطالبون بالانضمام إلى سورية، وصدرت في ذلك العام جريدة في القدس باسم «سورية الجنوبية». وفي عام ١٩٢٧ أصدرنا في القدس جريدة باسم «الجامعة العربية» قبل أن تظهر جامعة الدول العربية إلى الوجود بثمانية عشر عاماً! ثم أصدرنا جريدة (الوحدة) في القدس وصدرت جريدة (الجزيرة) في يافا وجرائد أخرى..
ونص الميثاق الوطني الفلسطيني الذي وضع عام ١٩٢٢، على استقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية، وكذلك جعل الحزب العربي الفلسطيني مسألة الوحدة العربية هدفاً أساسياً في دستوره الموضوع عام ١٩٣٥، وكانت مسألة الوحدة، ولم تزل، هدفاً أساسياً قامت عليه السياسة الوطنية الفلسطينية وأقرته المؤتمرات الفلسطينية جميعها، وأعلنته الوفود الفلسطينية التي أرسلت إلى الأقطار العربية والإسلامية والأجنبية، وجهر به الممثلون الفلسطينيون أمام مختلف اللجان البريطانية والدولية.
وفي عام ١٩٣٧ ألفنا وفداً كنت في عداده، ضم الأستاذ محمد عزة دروزة، والسيدين رياض الصلح والشيخ كامل القصاب، رحمهما الله، إلى مكة المكرمة، حيث اجتمعنا بالمرحوم الملك عبد العزيز ووضعنا أسساً لقيام الوحدة العربية، فوافق عليها وكلفني بمراجعة المسؤولين العراقيين في شأنها.
وقبل هذه الأحداث بعقد من السنين فكرنا في إقامة وحدة ثقافية بين شعوب الأقطار العربية ما دامت الوحدة السياسية غير ميسرة، فتكون الوحدة الثقافية ممهدة لها