كانت الحكومة البريطانية في أوائل الحرب العالمية الثانية في حاجة ماسة إلى دعم العالم العربي، حكوماته وشعوبه، لها ولحلفائها في تلك الحرب الضروس، ونظراً إلى ما تعلمه من اتجاه الأمة العربية نحو وحدة جامعة تجمع شملها الذي مزقته المطامع الاستعمارية، فقد وجدت الفرصة سانحة لها لتطلق تصريحاً سياسياً تجتذب به قلوب العرب وتحملهم على دعمها وتأييدها والسير في ركب الحلفاء، ريثما تنجاب عنهم غاشية تلك الحرب، ويتمكنوا من الانتصار على دول المحور التي كانت كفتها راجحة عندئذ.
وقد جاءت أول بادرة للحكومة البريطانية، على لسان مستر إيدن وزير الخارجية البريطانية حينئذ في خطاب سياسي ألقاه في ٢٩ آذار ١٩٤١، في قاعة مانشن هاوس بلندن وتحدث فيه عن رغبة كثيرين من العرب في أن تتمتع الشعوب العربية بنصيب من الوحدة أكبر من نصيبها الحالي، وأنهم يأملون من بريطانيا أن تعضدهم في الوصول إلى هدفهم هذا، ثم أبدى استعداد الحكومة البريطانية لعضد أي مشروع من شأنه توثيق الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بين الأقطار العربية..
وقد خدع بعض العرب بهذه البادرة من جانب بريطانيا التي لم يكونوا يتوقعونها ولاسيما لما عاد إيدن فتحدث عن مشروع الوحدة العربية في تصريحه له بمجلس العموم البريطاني في ٢٤ شباط قال فيه أن بريطانيا تنظر بعطف إلى قيام العرب بتوثيق وحدتهم الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية، على أن تأتي المبادرة بذلك من جانب العرب أنفسهم..
وجاء بيان إيدن هذا بعد خطابه الأول عن الوحدة العربية، حافزاً للحكومات العربية ونواب مجالسها والمعنيين بالشؤون السياسية على زيادة الاهتمام بموضوع الوحدة، وحدثت على أثر ذلك مشاورات بين بعض الدول العربية في هذا الشأن واقتراحات حول تأليف جامعة للدول العربية.
وكان المرحوم مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية حينئذ قد كتب وأنا في ألمانيا برسالة عن طريق السفارة المصرية في استانبول، يستشيرني في موضوع تأليف الجامعة العربية، وقد أجبته شاكراً على رسالته وشجعته على المضي في هذا المشروع لأن الجامعة العربية يجب أن تكون الهدف الرئيسي للأمة العربية، وقد أصبحت أمراً ضرورياً وحاجة ماسة بعد انفصال الأقطار العربية عن تركيا ما جعلهم عرضة للأكلين، ونهباً مقسماً للطامعين