بهذا المبلغ القليل اضطلعت الهيئة العربية العليا بعبء الثورة الفلسطينية التي نشبت بسبب قرار التقسيم بكل متطلباتها، من سلاح وعتاد وتموين ونفقات ومعالجات وإسعاف، بالإضافة إلى نفقات المكاتب والوفود العديدة إلى الأمم المتحدة ومختلف الأقطار الأوروبية والآسيوية والإفريقية وهو مبلغ لا يمكن بوجه من الوجوه مقارنته بمئات الملايين من الجنيهات التي أنفقها الصهيونيون على التسلح والاستعداد للحرب. ورغم ذلك استطاع الفلسطينيون في مواقف عديدة أن يتغلبوا على أعدائهم الصهيونيين ويوقعوا بهم الهزائم والخسائر العظيمة في الأنفس والأموال والممتلكات، مما سبقت الإشارة إلى بعضه وسأني على ذكر بعضه الآخر في مكانه من هذه المذكرات.
وكان مجلس جامعة الدول العربية قد بحث الوضع الخطير في فلسطين واستمع إلى مطالب الفلسطينيين بضرورة دعمهم وإمدادهم بما يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم وبلادهم، وكلف بعض الخبراء العسكريين بوضع تقرير عن الطرق التي يجب اتباعها، والوسائل التي ينبغي التوسل بها لحماية فلسطين من العدوان الصهيوني، وقد جاء تقرير أولئك الخبراء وافياً بالحاجة ووافقت اللجنة السياسية في اجتماع (عالية) في تشرين الأول ١٩٤٧ على ما جاء فيه من مقترحات، وهي تتلخص في لزوم وضع الشعب الفلسطيني في وضع مماثل لوضع اليهود من حيث تسليحهم وتدريبهم وتحصين مدنهم وإفرازهم تنظيماً عسكرياً فنياً وأن يكونوا الأساس في الدفاع عن بلادهم، لأنهم أعرف بمواقعها وطرقها ومسالكها، ولأنهم أشد تصميماً واستماتة في الذود عن أهلهم وأموالهم وبلادهم، يضاف إلى ذلك أنهم أقل نفقة من المتطوعين أو الجنود القادمين من خارج فلسطين، وجاء في التقرير أيضاً أن الجيوش النظامية للدول العربية ينبغي أن ترابط على حدود فلسطين دون دخولها، وذلك لتقوية الفلسطينيين ومساعدة المجاهدين عند الضرورة بالضباط والذخائر وبعض الوحدات الفنية بصفة متطوعين.
ومما ينبغي ذكره لهذه المناسبة، أن محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزارة المصرية وممثل مصر في اللجنة السياسية حينئذ قد سجل على ذلك القرار التحفظ التالي:
«أريد أن يعلم الجميع أن مصر إذا كانت توافق على الاشتراك في هذه المظاهرة العسكرية (أي الحشد على الحدود) فإنها غير مستعدة قط للمضي أكثر من ذلك».