وفي خلال الأشهر الخمسة منذ صدور قرار التقسيم في ٢٩/١١/١٩٤٧ إلى قبيل جلاء الإنكليز عن فلسطين، استطاع الفلسطينيون أن يلحقوا باليهود خسائر جسيمة في مواقف عديدة وأن يسيطروا على الموقف رغم ضعف وسائلهم وقلة ما كان في أيديهم من أسلحة حديثة وذخائر ووسائل فنية عسكرية بالنسبة إلى ما كان اليهود يحصلون عليه من الأسلحة من أوروبا وأمريكا، وما كانوا يتواطؤون مع الإنكليز على سرقته أو اشترائه بأثمان بخسة من أسلحة الجيش البريطاني في فلسطين ومستودعاته ومعسكراته ومن ذلك معسكرات كاملة مثل معسكر صرفند الشهير وغيره، وحصلوا في صفقة أخرى على ألف سيارة نقل كبيرة، واشترت الوكالة اليهودية من مخلفات الجيش البريطاني في الشرق الأوسط ما قيمته خمسة ملايين جنيه معدات وأسلحة مختلفة وأجهزة للإرصاد وأربعاً وعشرين طائرة للتدريب، أما نواة قوة الطيران اليهودية فكانت خمسين طياراً يهودياً كانوا في عداد فرقة سلاح الجو الملكي البريطاني في فلسطين.
وقد تم لليهود تنظيم قواتهم وتسليحها قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، فأرادوا انتهاز الفرصة وأن لا تنتهي الحرب إلا وقد تحولت فلسطين إلى بلاد يهودية، وكانوا مدفوعين إلى ذلك بالدوافع الآتية:
1. خشيتهم من قيام حركة عربية واسعة النطاق تضطر بريطانيا وأمريكا إلى التريث في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين. 2. خشيتهم من أن يقوم من البريطانيين من يعارض في تحويل فلسطين إلى دولة يهودية لأسباب ترجع إلى مصلحة الإمبراطورية البريطانية. 3. رغبتهم في أن تقوم دولتهم اليهودية قبل أن يزول عطف الدول الغربية عليهم، وهو ما استطاعوا الحصول عليه بدعايتهم الواسعة ضد ألمانيا النازية واضطهادها لليهود.
ثم شرع اليهود في القيام بحملة إرهابية منظمة واسعة النطاق في فلسطين لإرغام بريطانيا على الإسراع بتسليمهم فلسطين، وشكلوا عصاباتهم الإرهابية وأشهروها (أرغون زفاي لومي) و(شتيرن) فقامتا بأعمال إرهابية عديدة وفظيعة في البريطانيين والعرب، فأما في البريطانيين فأرغموهم على الإسراع بالتسليم كما أسلفنا، وأما في العرب فأرهبوهم وحملوهم على النزوح عن فلسطين والتخلي عن ممتلكاتهم وأراضيهم.