مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 349

Normalized
transcript

وقد وجد اليهود والإنكليز والأمريكيون أن ظروف عام ١٩٤٨ مواتية لتنفيذ خططهم المبينة لتحويل فلسطين إلى دولة يهودية وإخراج أهلها العرب منها، وأنه لم تعد ثمة ضرورة لانتظار الوقت الذي يصبح فيه اليهود أكثرية في فلسطين، فتوسلوا إلى ذلك بثلاث وسائل هي: الضغط السياسي، الدعاية المضللة، والإرهاب.

فأما الضغط السياسي فقد قامت به بريطانيا وأمريكا على عدد من المسؤولين العرب لانتزاع زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها وأصحابها، وقد أدى ذلك الضغط إلى العدول عن الخطة الأساسية التي أقرتها اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في «عالية» في تشرين الأول ١٩٤٧ للدفاع عن فلسطين، وإلى الامتناع عن تسليم المساعدات الضرورية من أسلحة وأموال للفلسطينيين مما أدى إلى إضعافهم، وعرقلة جهودهم، ومنع مجاهديهم من الاستمرار في جهادهم العظيم الذي كاد في شهر آذار ١٩٤٨ أن يقضي على قرار التقسيم، وسيرد تفصيل ذلك في مكانه من هذه المذكرات إن شاء الله.

ضاعف المستعمرون واليهود دعايتهم المضللة ضد الفلسطينيين ورجال الحركة الوطنية في داخل فلسطين وخارجها، ولاسيما في الأقطار العربية، فقد أنشأ قسم المخابرات البريطانية - بالتعاون مع اليهود - عدة مراكز دعائية ضد الفلسطينيين لتشويه سمعتهم، وتشكيك الشعوب العربية في إخلاصهم وجهادهم فتكف عن مد يد المساعدة إليهم ولإقناع العرب بأن إنقاذ فلسطين لن يتم إلا عن طريق إدخال الجيوش النظامية إليها، ومما هو جدير بالذكر أن الإنكليز أنشأوا، من جملة ما أنشأوه من مراكز المخابرات والدعاية في الأقطار العربية، مركزاً للدعاية في القاهرة في شارع قصر النيل، ووضعوا على رأسه رجلاً بريطانياً تظاهر بالإسلام وسمي نفسه شمس الدين مارساك (وله شقيق انتحل الدين الإسلامي أيضاً وسمي نفسه نور الدين مارساك) وملازمه بالظفين والعملاء والجواسيس الذين بثوهم في مختلف المدن والأوساط المصرية، وكان من مهام هذا المركز الدعاية المعروفة بدعاية الهمس بالإضافة إلى نواحي الدعاية الأخرى.

أما في داخل فلسطين فقد سعوا جاهدين لتثبيط الهمم وإضعاف النفوس وإدخال روح الوهن والهزيمة بين المجاهدين، والكيد للرجال العاملين، ومحاولة إقناع الفلسطينيين بقلة جدوى المقاومة وضرورة الإقلاع عن سياسة التطرف، والدعوة إلى التعاون مع الإنكليز، وقد ركزوا الدعاية المضللة وتشويه السمعة على صفوة الوطنيين والمجاهدين

English
translation

The Jews, the English, and the Americans found that the conditions of 1948 were favorable for implementing their stated plans to transform Palestine into a Jewish state and expel its Arab inhabitants. There was no longer any need to wait until the Jews became a majority in Palestine. They pursued this through three means: political pressure, misleading propaganda, and terrorism.

Political pressure was applied by Britain and America to a number of Arab officials in order to wrest control of the Palestine cause from its people and owners. That pressure led to abandoning the basic plan for defending Palestine approved by the Arab League Political Committee at ‘Aliya in October 1947 and to withholding the necessary aid of weapons and money from the Palestinians. This weakened them, obstructed their efforts, and prevented their fighters from continuing their great jihad, which in March 1948 had nearly eliminated the partition resolution. Details of this will appear in their proper place in these memoirs, God willing.

The colonial powers and the Jews doubled their misleading propaganda against the Palestinians and the men of the national movement, inside Palestine and outside it, especially in the Arab countries. The British intelligence section, in cooperation with the Jews, established several propaganda centers against the Palestinians to smear their reputation and make the Arab peoples doubt their sincerity and struggle, so that they would stop extending assistance to them, and to convince the Arabs that Palestine could be saved only by bringing regular armies into it. It is worth mentioning that among the intelligence and propaganda centers the English established in the Arab countries was a propaganda center in Cairo on Qasr al-Nil Street. They placed a British man at its head who pretended to be Muslim and called himself Shams al-Din Marsak. He had a brother who also pretended to be Muslim and called himself Nur al-Din Marsak. His assistant was accompanied by agents and spies whom they spread throughout Egyptian cities and circles. One of this center’s tasks was the propaganda known as whispering propaganda, in addition to other forms of propaganda.

Inside Palestine, they worked hard to dampen morale, weaken spirits, instill a sense of weakness and defeat among the fighters, plot against the active men, persuade Palestinians that resistance had little value, insist that the policy of extremism must be abandoned, and call for cooperation with the English. They focused their misleading propaganda and reputation-smearing on the finest nationalists and fighters

Analysis

Page 349 attributes the 1948 outcome to coordinated Jewish, British, and American use of political pressure, misleading propaganda, and terrorism. It claims British intelligence centers in Arab countries, including a Cairo operation, sought to discredit Palestinian leaders and redirect Arab support toward regular armies. The page ends with the source’s account of propaganda against leading nationalists and fighters, continuing onto page 350. These are source-owned allegations. The page establishes the memoir’s theory of political and information warfare, but it does not independently verify the named agents, centers, or alleged coordination.

Raw transcript

وقد وجد اليهود والإنكليز والأمريكيون أن ظروف عام ١٩٤٨ مواتية لتنفيذ خططهم المبينة لتحويل فلسطين إلى دولة يهودية وإخراج أهلها العرب منها، وأنه لم تعد ثمة ضرورة لانتظار الوقت الذي يصبح فيه اليهود أكثرية في فلسطين، فتوسلوا إلى ذلك بثلاث وسائل هي: الضغط السياسي، الدعاية المضللة، والإرهاب.

فأما الضغط السياسي فقد قامت به بريطانيا وأمريكا على عدد من المسؤولين العرب لانتزاع زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها وأصحابها، وقد أدى ذلك الضغط إلى العدول عن الخطة الأساسية التي أقرتها اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في «عالية» في تشرين الأول ١٩٤٧ للدفاع عن فلسطين، وإلى الامتناع عن تسليم المساعدات الضرورية من أسلحة وأموال للفلسطينيين مما أدى إلى إضعافهم، وعرقلة جهودهم، ومنع مجاهديهم من الاستمرار في جهادهم العظيم الذي كاد في شهر آذار ١٩٤٨ أن يقضي على قرار التقسيم، وسيرد تفصيل ذلك في مكانه من هذه المذكرات إن شاء الله.

ضاعف المستعمرون واليهود دعايتهم المضللة ضد الفلسطينيين ورجال الحركة الوطنية في داخل فلسطين وخارجها، ولاسيما في الأقطار العربية، فقد أنشأ قسم المخابرات البريطانية - بالتعاون مع اليهود - عدة مراكز دعائية ضد الفلسطينيين لتشويه سمعتهم، وتشكيك الشعوب العربية في إخلاصهم وجهادهم فتكف عن مد يد المساعدة إليهم ولإقناع العرب بأن إنقاذ فلسطين لن يتم إلا عن طريق إدخال الجيوش النظامية إليها، ومما هو جدير بالذكر أن الإنكليز أنشأوا، من جملة ما أنشأوه من مراكز المخابرات والدعاية في الأقطار العربية، مركزاً للدعاية في القاهرة في شارع قصر النيل، ووضعوا على رأسه رجلاً بريطانياً تظاهر بالإسلام وسمي نفسه شمس الدين مارساك (وله شقيق انتحل الدين الإسلامي أيضاً وسمي نفسه نور الدين مارساك) وملازمه بالظفين والعملاء والجواسيس الذين بثوهم في مختلف المدن والأوساط المصرية، وكان من مهام هذا المركز الدعاية المعروفة بدعاية الهمس بالإضافة إلى نواحي الدعاية الأخرى.

أما في داخل فلسطين فقد سعوا جاهدين لتثبيط الهمم وإضعاف النفوس وإدخال روح الوهن والهزيمة بين المجاهدين، والكيد للرجال العاملين، ومحاولة إقناع الفلسطينيين بقلة جدوى المقاومة وضرورة الإقلاع عن سياسة التطرف، والدعوة إلى التعاون مع الإنكليز، وقد ركزوا الدعاية المضللة وتشويه السمعة على صفوة الوطنيين والمجاهدين