وقد وجد اليهود والإنكليز والأمريكيون أن ظروف عام ١٩٤٨ مواتية لتنفيذ خططهم المبينة لتحويل فلسطين إلى دولة يهودية وإخراج أهلها العرب منها، وأنه لم تعد ثمة ضرورة لانتظار الوقت الذي يصبح فيه اليهود أكثرية في فلسطين، فتوسلوا إلى ذلك بثلاث وسائل هي: الضغط السياسي، الدعاية المضللة، والإرهاب.
فأما الضغط السياسي فقد قامت به بريطانيا وأمريكا على عدد من المسؤولين العرب لانتزاع زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها وأصحابها، وقد أدى ذلك الضغط إلى العدول عن الخطة الأساسية التي أقرتها اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في «عالية» في تشرين الأول ١٩٤٧ للدفاع عن فلسطين، وإلى الامتناع عن تسليم المساعدات الضرورية من أسلحة وأموال للفلسطينيين مما أدى إلى إضعافهم، وعرقلة جهودهم، ومنع مجاهديهم من الاستمرار في جهادهم العظيم الذي كاد في شهر آذار ١٩٤٨ أن يقضي على قرار التقسيم، وسيرد تفصيل ذلك في مكانه من هذه المذكرات إن شاء الله.
ضاعف المستعمرون واليهود دعايتهم المضللة ضد الفلسطينيين ورجال الحركة الوطنية في داخل فلسطين وخارجها، ولاسيما في الأقطار العربية، فقد أنشأ قسم المخابرات البريطانية - بالتعاون مع اليهود - عدة مراكز دعائية ضد الفلسطينيين لتشويه سمعتهم، وتشكيك الشعوب العربية في إخلاصهم وجهادهم فتكف عن مد يد المساعدة إليهم ولإقناع العرب بأن إنقاذ فلسطين لن يتم إلا عن طريق إدخال الجيوش النظامية إليها، ومما هو جدير بالذكر أن الإنكليز أنشأوا، من جملة ما أنشأوه من مراكز المخابرات والدعاية في الأقطار العربية، مركزاً للدعاية في القاهرة في شارع قصر النيل، ووضعوا على رأسه رجلاً بريطانياً تظاهر بالإسلام وسمي نفسه شمس الدين مارساك (وله شقيق انتحل الدين الإسلامي أيضاً وسمي نفسه نور الدين مارساك) وملازمه بالظفين والعملاء والجواسيس الذين بثوهم في مختلف المدن والأوساط المصرية، وكان من مهام هذا المركز الدعاية المعروفة بدعاية الهمس بالإضافة إلى نواحي الدعاية الأخرى.
أما في داخل فلسطين فقد سعوا جاهدين لتثبيط الهمم وإضعاف النفوس وإدخال روح الوهن والهزيمة بين المجاهدين، والكيد للرجال العاملين، ومحاولة إقناع الفلسطينيين بقلة جدوى المقاومة وضرورة الإقلاع عن سياسة التطرف، والدعوة إلى التعاون مع الإنكليز، وقد ركزوا الدعاية المضللة وتشويه السمعة على صفوة الوطنيين والمجاهدين