مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 350

Normalized
transcript

الذين عرفوا بصلابتهم وشدة إخلاصهم ولاسيما على الهيئة العربية العليا ورئيسها مختلفين أنواع الأكاذيب والمفتريات والأراجيف.

ولما شرع أهل المدن الكبرى - كالقدس ويافا وحيفا وعكا - بالعمل على تحصين مدنهم وتسليح أنفسهم، تدخل الإنكليز دون ذلك محاولين إقناع الأهلين بأن بريطانيا لن تسمح لليهود باحتلال المدن الكبرى، ولاسيما المدن والقرى العربية التي خصصت للعرب بموجب قرار التقسيم!

ولهذه المناسبة أذكر أني طلبت المختصين في جامعة الدول العربية في كانون الأول ١٩٤٧ بضرورة تحصين المدن الرئيسية، وتسليح المجاهدين المدافعين عنها تسليحاً وافياً، فأجابني أحد المسؤولين بقوله: لا ضرورة لتسليح يافا البتة، لأن قرار التقسيم يجعل يافا في المنطقة العربية، فلا خوف عليها مطلقاً من اعتداء اليهود، أما حيفا فإن الإنكليز لن يسمحوا لليهود باحتلالها أبداً، لأنهم يريدون أن يجعلوا منها مرفأً حراً، وأن لدينا من التأكيدات ما يجعلنا نطمئن إلى ذلك!

وارتبطت أعمال الدعاية والإرهاب ارتباطاً وثيقاً بأعمال الإرهاب الأليم الذي قام به اليهود لترويع العرب بقصف المنازل وإلقاء المتفجرات في الأسواق ومراكز تجمع الأهلين، مما أودى بحياة الكثيرين من الشيوخ والنساء والأطفال وأخذ دعاة الأعداء يزينون للأهلين الهجرة إلى الأقطار العربية محافظة على سلامة أرواحهم وأطفالهم، وفي الوقت نفسه أخذت تظهر دعوة من بعض البلاد العربية تنادي بضرورة نقل الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين من فلسطين ريثما يبت في مصيرها، كما ظهرت دعاية أخرى بأن الجيوش العربية ستدخل فلسطين قريباً لتحريرها فلا داعي للقتال وتحمل الخسائر في الأرواح والأموال!!

فلما نشب القتال بين العرب واليهود في أواخر عام ١٩٤٧ إثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، كان موقف حكومة الانتداب البريطاني موقف المتحيز إلى اليهود، المتآمر معهم، شأنها طول عهد انتدابها مدة ثلاثين عاماً، فكانت تتدخل - في كل معركة يفوز فيها العرب - لحماية اليهود ومنع العرب من الاستيلاء على ممتلكاتهم ومستعمراتهم، بحجة أنها لا تزال صاحبة السلطة في فلسطين والمسؤولة عن حماية أرواح السكان وممتلكاتهم، غير أنها لا تتذرع بهذه الحجة عندما تكون أرواح العرب وممتلكاتهم عرضة للهلاك والدمار. الأمثلة على هذه كثيرة لا مجال لتعدادها الآن، غير أن من الحوادث ما له صلة وثقى بكارثة فلسطين، وأدى إلى هجرة عدد كبير من العرب -

English
translation

known for their steadfastness and great sincerity, especially the Arab Higher Committee and its president, with various kinds of lies, fabrications, and rumors.

When the people of the major cities, such as Jerusalem, Jaffa, Haifa, and Acre, began working to fortify their cities and arm themselves, the English intervened to prevent this, trying to convince the inhabitants that Britain would not allow the Jews to occupy the major cities, especially the Arab cities and villages assigned to the Arabs under the partition resolution.

On this occasion I mention that in December 1947 I urged the specialists of the Arab League to fortify the principal cities and adequately arm the fighters defending them. One of the officials replied: “There is absolutely no need to arm Jaffa, because the partition resolution places Jaffa in the Arab area, so there is no fear whatsoever of a Jewish attack on it. As for Haifa, the English will never allow the Jews to occupy it, because they want to make it a free port, and we have assurances that make us confident of this.”

Propaganda and terrorism were closely linked to the painful acts of terrorism carried out by the Jews to terrorize the Arabs, by shelling homes and throwing explosives into markets and places where people gathered. These acts claimed the lives of many old men, women, and children. The enemy’s propagandists began presenting emigration to the Arab countries as a way for the inhabitants to protect their lives and children. At the same time, calls emerged from some Arab countries for children, women, and incapacitated old men to be moved out of Palestine until its fate was decided. Other propaganda also appeared saying that the Arab armies would soon enter Palestine to liberate it, so there was no need to fight or bear losses in lives and property.

When fighting broke out between Arabs and Jews at the end of 1947 after the United Nations resolution partitioning Palestine was issued, the British Mandate government took a position favoring and conspiring with the Jews, as it had throughout its thirty-year Mandate. In every battle the Arabs won, it intervened to protect the Jews and prevent the Arabs from seizing their properties and settlements, claiming that it remained the authority in Palestine and was responsible for protecting the lives and property of the inhabitants. Yet it did not invoke this claim when Arab lives and property were exposed to ruin and destruction. There are many examples that cannot be counted here, but some incidents are closely connected to the catastrophe of Palestine and led to the emigration of a large number of Arabs.

Analysis

Page 350 continues the source’s propaganda account by describing British promises that major cities would remain safe, alleged Jewish attacks and Arab displacement, and the Mandate government’s intervention on behalf of Jews after Arab victories. The page presents Tiberias and other incidents as evidence of a coordinated policy and ends with the displacement of a large number of Arabs, continuing onto page 351. These are source-owned allegations. The page establishes the memoir’s explanation of how propaganda, British policy, and violence combined, but it does not independently verify the assurances, incidents, or causal claims.

Raw transcript

الذين عرفوا بصلابتهم وشدة إخلاصهم ولاسيما على الهيئة العربية العليا ورئيسها مختلفين أنواع الأكاذيب والمفتريات والأراجيف.

ولما شرع أهل المدن الكبرى - كالقدس ويافا وحيفا وعكا - بالعمل على تحصين مدنهم وتسليح أنفسهم، تدخل الإنكليز دون ذلك محاولين إقناع الأهلين بأن بريطانيا لن تسمح لليهود باحتلال المدن الكبرى، ولاسيما المدن والقرى العربية التي خصصت للعرب بموجب قرار التقسيم!

ولهذه المناسبة أذكر أني طلبت المختصين في جامعة الدول العربية في كانون الأول ١٩٤٧ بضرورة تحصين المدن الرئيسية، وتسليح المجاهدين المدافعين عنها تسليحاً وافياً، فأجابني أحد المسؤولين بقوله: لا ضرورة لتسليح يافا البتة، لأن قرار التقسيم يجعل يافا في المنطقة العربية، فلا خوف عليها مطلقاً من اعتداء اليهود، أما حيفا فإن الإنكليز لن يسمحوا لليهود باحتلالها أبداً، لأنهم يريدون أن يجعلوا منها مرفأً حراً، وأن لدينا من التأكيدات ما يجعلنا نطمئن إلى ذلك!

وارتبطت أعمال الدعاية والإرهاب ارتباطاً وثيقاً بأعمال الإرهاب الأليم الذي قام به اليهود لترويع العرب بقصف المنازل وإلقاء المتفجرات في الأسواق ومراكز تجمع الأهلين، مما أودى بحياة الكثيرين من الشيوخ والنساء والأطفال وأخذ دعاة الأعداء يزينون للأهلين الهجرة إلى الأقطار العربية محافظة على سلامة أرواحهم وأطفالهم، وفي الوقت نفسه أخذت تظهر دعوة من بعض البلاد العربية تنادي بضرورة نقل الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين من فلسطين ريثما يبت في مصيرها، كما ظهرت دعاية أخرى بأن الجيوش العربية ستدخل فلسطين قريباً لتحريرها فلا داعي للقتال وتحمل الخسائر في الأرواح والأموال!!

فلما نشب القتال بين العرب واليهود في أواخر عام ١٩٤٧ إثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، كان موقف حكومة الانتداب البريطاني موقف المتحيز إلى اليهود، المتآمر معهم، شأنها طول عهد انتدابها مدة ثلاثين عاماً، فكانت تتدخل - في كل معركة يفوز فيها العرب - لحماية اليهود ومنع العرب من الاستيلاء على ممتلكاتهم ومستعمراتهم، بحجة أنها لا تزال صاحبة السلطة في فلسطين والمسؤولة عن حماية أرواح السكان وممتلكاتهم، غير أنها لا تتذرع بهذه الحجة عندما تكون أرواح العرب وممتلكاتهم عرضة للهلاك والدمار. الأمثلة على هذه كثيرة لا مجال لتعدادها الآن، غير أن من الحوادث ما له صلة وثقى بكارثة فلسطين، وأدى إلى هجرة عدد كبير من العرب -