الذين عرفوا بصلابتهم وشدة إخلاصهم ولاسيما على الهيئة العربية العليا ورئيسها مختلفين أنواع الأكاذيب والمفتريات والأراجيف.
ولما شرع أهل المدن الكبرى - كالقدس ويافا وحيفا وعكا - بالعمل على تحصين مدنهم وتسليح أنفسهم، تدخل الإنكليز دون ذلك محاولين إقناع الأهلين بأن بريطانيا لن تسمح لليهود باحتلال المدن الكبرى، ولاسيما المدن والقرى العربية التي خصصت للعرب بموجب قرار التقسيم!
ولهذه المناسبة أذكر أني طلبت المختصين في جامعة الدول العربية في كانون الأول ١٩٤٧ بضرورة تحصين المدن الرئيسية، وتسليح المجاهدين المدافعين عنها تسليحاً وافياً، فأجابني أحد المسؤولين بقوله: لا ضرورة لتسليح يافا البتة، لأن قرار التقسيم يجعل يافا في المنطقة العربية، فلا خوف عليها مطلقاً من اعتداء اليهود، أما حيفا فإن الإنكليز لن يسمحوا لليهود باحتلالها أبداً، لأنهم يريدون أن يجعلوا منها مرفأً حراً، وأن لدينا من التأكيدات ما يجعلنا نطمئن إلى ذلك!
وارتبطت أعمال الدعاية والإرهاب ارتباطاً وثيقاً بأعمال الإرهاب الأليم الذي قام به اليهود لترويع العرب بقصف المنازل وإلقاء المتفجرات في الأسواق ومراكز تجمع الأهلين، مما أودى بحياة الكثيرين من الشيوخ والنساء والأطفال وأخذ دعاة الأعداء يزينون للأهلين الهجرة إلى الأقطار العربية محافظة على سلامة أرواحهم وأطفالهم، وفي الوقت نفسه أخذت تظهر دعوة من بعض البلاد العربية تنادي بضرورة نقل الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين من فلسطين ريثما يبت في مصيرها، كما ظهرت دعاية أخرى بأن الجيوش العربية ستدخل فلسطين قريباً لتحريرها فلا داعي للقتال وتحمل الخسائر في الأرواح والأموال!!
فلما نشب القتال بين العرب واليهود في أواخر عام ١٩٤٧ إثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، كان موقف حكومة الانتداب البريطاني موقف المتحيز إلى اليهود، المتآمر معهم، شأنها طول عهد انتدابها مدة ثلاثين عاماً، فكانت تتدخل - في كل معركة يفوز فيها العرب - لحماية اليهود ومنع العرب من الاستيلاء على ممتلكاتهم ومستعمراتهم، بحجة أنها لا تزال صاحبة السلطة في فلسطين والمسؤولة عن حماية أرواح السكان وممتلكاتهم، غير أنها لا تتذرع بهذه الحجة عندما تكون أرواح العرب وممتلكاتهم عرضة للهلاك والدمار. الأمثلة على هذه كثيرة لا مجال لتعدادها الآن، غير أن من الحوادث ما له صلة وثقى بكارثة فلسطين، وأدى إلى هجرة عدد كبير من العرب -