مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 361

Normalized
transcript

وفيما كانت عيون الصهيونيين والمستعمرين تتطلع إلى سيناء، ونفوسهم منصرفة إليها بكل ما تنطوي عليه من أماني وأطماع، لما يعرفون من أهميتها جغرافياً واستراتيجياً وما تحتويه من ثروات دفينة، كان بعض ولاة الأمور في الأقطار العربية لا يقيمون لها أي وزن، حتى أن حسين سري باشا قال عنها أثناء توليه رئاسة الوزارة عام ١٩٤٩: «وما قيمة سيناء؟ إنها ليست إلا رمالاً لا فائدة منها!!» حدث هذا عندما تقدم الصهيونيون بمذكرة بواسطة إحدى الدول الكبرى يطالبون فيها بتخلي مصر عن قطاع غزة، وتسليمه إليهم، ونبذ مسألة اللاجئين الفلسطينيين ظاهرياً ونحو ذلك من المطالب الصهيونية الوقحة. ولما كان موقف حسين سري غاية في الضعف والميل للاستسلام والرضوخ لما اشتملت عليه المذكرة من مطالب، فقد طلب من السيد عبد المنعم مصطفى الذي كان يتولى منصب الإدارة السياسية في وزارة الخارجية المصرية، أن يقدم إليه تقريراً يمهد للاستجابة لمطالب الصهيونيين، لكن السيد عبد المنعم، المعروف بوطنيته وصلابته، امتنع عن ذلك، وبين لحسين سري الخطأ والخطورة في هذا الأمر، فرد عليه حسين سري بلهجة الأمر وعنجهية المسيطر: «إنك موظف وعليك أن تكتب ما أطلب منك»، فأجابه السيد عبد المنعم: «لن أكتب ما تطلب مني ولكني أكتب طلب استقالتي». فعندئذ تراجع حسين سري وخشي سوء العاقبة وذيوع الخبر، فصمت ولم يعد إلى مراجعته.

فهذا الحادث يضع أمامنا مثلاً من الذين تولوا مقاليد الأمور في بعض الأقطار العربية، ولم يكونوا على مستوى المسؤولية، ولا من الذين يستميتون في الدفاع عن أوطانهم بل كانوا لا يرون في سيناء إلا صحراء جرداء، ورمالاً لا فائدة منها ولا خير فيها، وإنها لا تستاهل مخاصمة الصهيونيين من أجلها!

ولقد كان هم اليهود والمستعمرين الضالعين معهم أن يبعدوا جميع الزعماء المخلصين في الأقطار العربية بمختلف الوسائل عن تولي زمام الأمور، ولا سيما في فلسطين، ليسهل عليهم بلوغ أهدافهم وتحقيق مآربهم، بواسطة الضعفاء من الحكام.

وظلت المذكرة اليهودية تنتظر الرد، إلى أن تشكلت وزارة ائتلافية مصرية اشتركت فيها الأحزاب المعروفة حينئذ برئاسة مصطفى النحاس باشا، وتولى وزارة الخارجية فيها الدكتور محمد صلاح الدين، ولما عرضت المذكرة اليهودية مجدداً عليه، وقف الموقف الجدير بالرجل الشريف الحازم، وأجاب على تلميح اليهود وتهديدهم بالقوة للحصول على مطالبهم قائلاً: «أنا على استعداد لصدهم بالقوة، وإشعال نار حرب مقدسة يخوضها العرب والمسلمون جميعاً»، فعندئذ طويت المذكرة اليهودية المشار إليها.

English
translation

While the eyes of the Zionists and the colonial powers were looking toward Sinai, and their minds were devoted to all the hopes and ambitions it contained because they knew its geographic and strategic importance and the buried riches it held, some officials in the Arab countries attached no importance to it. Thus, Husayn Sirri Pasha said of it while serving as prime minister in 1949: “What value does Sinai have? It is nothing but useless sand!” This occurred when the Zionists submitted a memorandum through one of the great powers demanding that Egypt relinquish the Gaza Strip and hand it over to them, outwardly abandon the Palestinian refugee issue, and accept other insolent Zionist demands. Because Husayn Sirri’s position was extremely weak and inclined toward surrender and submission to the demands in the memorandum, he asked Mr. Abd al-Mun‘im Mustafa, then serving as director of political affairs in the Egyptian Foreign Ministry, to submit a report preparing the way for accepting the Zionists’ demands. Mr. Abd al-Mun‘im, known for his nationalism and firmness, refused. He explained to Husayn Sirri the error and danger of the matter. Husayn Sirri replied in a commanding tone and with the arrogance of one in control: “You are an employee, and you must write what I ask you to write.” Mr. Abd al-Mun‘im answered: “I will not write what you ask me to write, but I will write my resignation.” Husayn Sirri then retreated, fearing the consequences and the news becoming public. He fell silent and did not return to the matter.

This incident presents an example of men who assumed the reins of power in some Arab countries without being equal to the responsibility, and who were not among those willing to die defending their homelands. They saw Sinai only as a barren desert and useless sand, unworthy of a quarrel with the Zionists.

The Jews and the colonial powers allied with them were concerned to remove all sincere leaders in the Arab countries, by various means, from assuming power, especially in Palestine, so that they could more easily reach their goals and achieve their aims through weak rulers.

The Zionist memorandum awaited a response until an Egyptian coalition government was formed, including the parties known at the time, under the leadership of Mustafa al-Nahhas Pasha. Dr. Muhammad Salah al-Din became its foreign minister. When the Zionist memorandum was presented to him again, he took the position worthy of an honorable and resolute man and answered the Jews’ hint and threat of using force to obtain their demands by saying: “I am prepared to repel them by force and kindle a holy war in which all the Arabs and Muslims will fight.” The Zionist memorandum in question was then shelved.

Analysis

Page 361 presents an anecdote about Egyptian officials’ alleged disregard for Sinai, a Zionist memorandum seeking Gaza and other concessions, and the refusal of Abd al-Mun‘im Mustafa to prepare a report supporting those demands. It then attributes Zionist and colonial efforts to remove sincere Arab leaders and records Muhammad Salah al-Din’s threat of armed resistance and holy war, after which the memorandum was shelved. These are source-owned claims and political judgments. The page establishes the memoir’s use of official anecdotes to contrast surrender with resistance, but it does not independently verify the memorandum, conversations, or political causation.

Raw transcript

وفيما كانت عيون الصهيونيين والمستعمرين تتطلع إلى سيناء، ونفوسهم منصرفة إليها بكل ما تنطوي عليه من أماني وأطماع، لما يعرفون من أهميتها جغرافياً واستراتيجياً وما تحتويه من ثروات دفينة، كان بعض ولاة الأمور في الأقطار العربية لا يقيمون لها أي وزن، حتى أن حسين سري باشا قال عنها أثناء توليه رئاسة الوزارة عام ١٩٤٩: «وما قيمة سيناء؟ إنها ليست إلا رمالاً لا فائدة منها!!» حدث هذا عندما تقدم الصهيونيون بمذكرة بواسطة إحدى الدول الكبرى يطالبون فيها بتخلي مصر عن قطاع غزة، وتسليمه إليهم، ونبذ مسألة اللاجئين الفلسطينيين ظاهرياً ونحو ذلك من المطالب الصهيونية الوقحة. ولما كان موقف حسين سري غاية في الضعف والميل للاستسلام والرضوخ لما اشتملت عليه المذكرة من مطالب، فقد طلب من السيد عبد المنعم مصطفى الذي كان يتولى منصب الإدارة السياسية في وزارة الخارجية المصرية، أن يقدم إليه تقريراً يمهد للاستجابة لمطالب الصهيونيين، لكن السيد عبد المنعم، المعروف بوطنيته وصلابته، امتنع عن ذلك، وبين لحسين سري الخطأ والخطورة في هذا الأمر، فرد عليه حسين سري بلهجة الأمر وعنجهية المسيطر: «إنك موظف وعليك أن تكتب ما أطلب منك»، فأجابه السيد عبد المنعم: «لن أكتب ما تطلب مني ولكني أكتب طلب استقالتي». فعندئذ تراجع حسين سري وخشي سوء العاقبة وذيوع الخبر، فصمت ولم يعد إلى مراجعته.

فهذا الحادث يضع أمامنا مثلاً من الذين تولوا مقاليد الأمور في بعض الأقطار العربية، ولم يكونوا على مستوى المسؤولية، ولا من الذين يستميتون في الدفاع عن أوطانهم بل كانوا لا يرون في سيناء إلا صحراء جرداء، ورمالاً لا فائدة منها ولا خير فيها، وإنها لا تستاهل مخاصمة الصهيونيين من أجلها!

ولقد كان هم اليهود والمستعمرين الضالعين معهم أن يبعدوا جميع الزعماء المخلصين في الأقطار العربية بمختلف الوسائل عن تولي زمام الأمور، ولا سيما في فلسطين، ليسهل عليهم بلوغ أهدافهم وتحقيق مآربهم، بواسطة الضعفاء من الحكام.

وظلت المذكرة اليهودية تنتظر الرد، إلى أن تشكلت وزارة ائتلافية مصرية اشتركت فيها الأحزاب المعروفة حينئذ برئاسة مصطفى النحاس باشا، وتولى وزارة الخارجية فيها الدكتور محمد صلاح الدين، ولما عرضت المذكرة اليهودية مجدداً عليه، وقف الموقف الجدير بالرجل الشريف الحازم، وأجاب على تلميح اليهود وتهديدهم بالقوة للحصول على مطالبهم قائلاً: «أنا على استعداد لصدهم بالقوة، وإشعال نار حرب مقدسة يخوضها العرب والمسلمون جميعاً»، فعندئذ طويت المذكرة اليهودية المشار إليها.