وفيما كانت عيون الصهيونيين والمستعمرين تتطلع إلى سيناء، ونفوسهم منصرفة إليها بكل ما تنطوي عليه من أماني وأطماع، لما يعرفون من أهميتها جغرافياً واستراتيجياً وما تحتويه من ثروات دفينة، كان بعض ولاة الأمور في الأقطار العربية لا يقيمون لها أي وزن، حتى أن حسين سري باشا قال عنها أثناء توليه رئاسة الوزارة عام ١٩٤٩: «وما قيمة سيناء؟ إنها ليست إلا رمالاً لا فائدة منها!!» حدث هذا عندما تقدم الصهيونيون بمذكرة بواسطة إحدى الدول الكبرى يطالبون فيها بتخلي مصر عن قطاع غزة، وتسليمه إليهم، ونبذ مسألة اللاجئين الفلسطينيين ظاهرياً ونحو ذلك من المطالب الصهيونية الوقحة. ولما كان موقف حسين سري غاية في الضعف والميل للاستسلام والرضوخ لما اشتملت عليه المذكرة من مطالب، فقد طلب من السيد عبد المنعم مصطفى الذي كان يتولى منصب الإدارة السياسية في وزارة الخارجية المصرية، أن يقدم إليه تقريراً يمهد للاستجابة لمطالب الصهيونيين، لكن السيد عبد المنعم، المعروف بوطنيته وصلابته، امتنع عن ذلك، وبين لحسين سري الخطأ والخطورة في هذا الأمر، فرد عليه حسين سري بلهجة الأمر وعنجهية المسيطر: «إنك موظف وعليك أن تكتب ما أطلب منك»، فأجابه السيد عبد المنعم: «لن أكتب ما تطلب مني ولكني أكتب طلب استقالتي». فعندئذ تراجع حسين سري وخشي سوء العاقبة وذيوع الخبر، فصمت ولم يعد إلى مراجعته.
فهذا الحادث يضع أمامنا مثلاً من الذين تولوا مقاليد الأمور في بعض الأقطار العربية، ولم يكونوا على مستوى المسؤولية، ولا من الذين يستميتون في الدفاع عن أوطانهم بل كانوا لا يرون في سيناء إلا صحراء جرداء، ورمالاً لا فائدة منها ولا خير فيها، وإنها لا تستاهل مخاصمة الصهيونيين من أجلها!
ولقد كان هم اليهود والمستعمرين الضالعين معهم أن يبعدوا جميع الزعماء المخلصين في الأقطار العربية بمختلف الوسائل عن تولي زمام الأمور، ولا سيما في فلسطين، ليسهل عليهم بلوغ أهدافهم وتحقيق مآربهم، بواسطة الضعفاء من الحكام.
وظلت المذكرة اليهودية تنتظر الرد، إلى أن تشكلت وزارة ائتلافية مصرية اشتركت فيها الأحزاب المعروفة حينئذ برئاسة مصطفى النحاس باشا، وتولى وزارة الخارجية فيها الدكتور محمد صلاح الدين، ولما عرضت المذكرة اليهودية مجدداً عليه، وقف الموقف الجدير بالرجل الشريف الحازم، وأجاب على تلميح اليهود وتهديدهم بالقوة للحصول على مطالبهم قائلاً: «أنا على استعداد لصدهم بالقوة، وإشعال نار حرب مقدسة يخوضها العرب والمسلمون جميعاً»، فعندئذ طويت المذكرة اليهودية المشار إليها.