أيام مع المجاهدين الذين كانوا يتحصنون بالجبال والحرج على جانبي الطريق، ولم يستطع القائد التغلب عليهم إلا بعد استنجاده بقوات بريطانية أخرى جاءت من منطقة القدس من خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وقصفت الطائرات من الجو بالقنابل الحارقة التي أحرقت الحرج الذي كانوا فيه، ورغم ذلك صمدوا إلى أن تغلبت عليهم كثرة الجنود ووفرة السلاح. ولما انتهت المعركة نقل البريطانيون الشهداء الفلسطينيين إلى مدخل باب الواد وجمعوا أسلحتهم وذخائرهم، فلما رأى القائد تلك الأسلحة القليلة القديمة الصدئة والذخيرة الفاسدة دعا جنوده فتحلقوا حوله فخاطبهم قائلاً: أيها الجنود! هل رأيتم هذه الأسلحة القديمة والذخيرة الفاسدة التي قاتلنا بها هؤلاء الأبطال؟ (كانت بنادق قديمة من عهد الدولة العثمانية ومن بنادق الصيد)، وهل رأيتم هذه البقية التافهة من طعامهم (وكانت قطعاً من الخبز الجاف والبصل)، وهل رأيتم ما وجدنا في جيوبهم من أموال؟ (كانت بضعة قروش)، إني أسألكم هل كنتم تحاربون لو كنتم مسلحين بمثل سلاحهم وكان طعامكم مثل طعامهم؟ فأجابوه: لا. فقال: إن هؤلاء الأبطال أوقفونا ثلاثة أيام على كثرتنا وقلتكم، وعظم الفرق بين أسلحتنا وأسلحتهم، ووسائلنا ووسائلهم، إني أطلب إليكم تقدير هذه البطولة واحترامها، وعندئذ وقف الجنود وأطلقوا النار في الهواء من بنادقهم تحية عسكرية لأولئك الشهداء الأبطال.
هذه شهادة الأعداء بأبطال معركة باب الواد، وغيرها من المعارك التي خاضها الجيش البريطاني في تلك الفترة الباهرة من الثورة الفلسطينية.
وقد دهش الصهيونيون من شجاعة المجاهدين الفلسطينيين فكتب (بن آفي) صاحب جريدة (دواز هاروم) وهو أحد كبار كتابهم عدة مقالات عام ١٩٣٦ أبدى فيها دهشته من بسالة عرب فلسطين واستغرابه من صمودهم، وقد جاء في إحداها قوله: من المدهش أن يباد هؤلاء العرب الفلسطينيون إلى ارتقاء الجبال ومحاربة الجيش البريطاني بطائراته ومصفحاته ومدافعه وهم لا يملكون إلا بعض البنادق القديمة وبنادق الصيد، وكثير منهم يحمل سيفاً أو عصا. ثم قال: إن هؤلاء الفلسطينيين هم العقبة الكأداء الأولى في سبيلنا، ولن نتمكن من تحقيق خططنا ما لم نعالج أمرهم ونقي بأسهم.
وللإنكليز واليهود من التجارب في المعارك الحربية مع الفلسطينيين، وفي المعارك السياسية مع الهيئة العربية العليا لفلسطين، ما جعلهم يركزون جهودهم على إبعاد الفلسطينيين عن ميادين المعارك الحربية والسياسية. فضغطوا على الدول الضالعة