مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 388

Normalized
transcript

معهم، فاستجابت لهم وضغطت هي بدورها على بعض الدول العربية فرضخت لرغبتهم وعملت على إبعاد الفلسطينيين عن معركتهم المصيرية في ميداني الحرب والسياسة.

ولقد عرف الفلسطينيون بالشجاعة الفائقة، واشتهر جنودهم في جيوش الدولة العثمانية بالبأسلة النادرة، حتى جاء تصنيف الأفواج الفلسطينية في الدرجة الأولى من جيوش الدولة العثمانية، حدثني بهذا الجنرال محمد علي باشا الذي كان آخر قائد تركي في اليمن في الحرب العالمية الأولى، وكان من قبل ذلك المشرف على التجنيد في وزارة الحربية في استانبول.

ومن شهد لهم بذلك أيضاً أحمد جمال باشا المشهور بالسفاح والمعروف بعدائه للعرب، في الحرب العالمية الأولى، عندما أصدر بلاغاً رسمياً أشاد فيه بالشجاعة الفذة التي أظهرها الجنود الفلسطينيون في غزة أمام أضعاف أضعافهم من جنود الأعداء، وقال إنها بسالة خارقة تذكر بالبسالة التي تحلى بها آباؤهم من قبل، عندما حموا هذه البقاع المقدسة بقيادة صلاح الدين الأيوبي.

وقد أتيح لي أن اجتمع بالقائد العثماني أديب ثروت بك الذي كان قائد الفرقة الثالثة، فحدثني عن هذه المعركة فقال كان موجود فرقتنا لا يزيد عن ثلاثة آلاف جندي كلهم من أبناء فلسطين، وكنت أتولى قيادتها عندما اقتحم الجيش البريطاني مدينة غزة عام ١٩١٧ بفرقتين كاملتين من الجنود الأستراليين، وكان أسطول بريطاني يشترك في المعركة من البحر يقذف بقنابل مدافعه الضخمة على غزة حتى دمرها تدميراً، ورغم ذلك صمد الجنود الفلسطينيون للحملة البريطانية الزاحفة، وقاتلوا جنودها ببسالة لا نظير لها، ثم شنوا عليها هجوماً معاكساً فهزموها شر هزيمة، وأنزلوا بجنود الفرقتين الأستراليتين خسائر كبيرة وغنموا غنائم حربية كثيرة، حتى أصبح ثمن البندقية الإنكليزية في تلك المنطقة لا يزيد على ريال مجيدي واحد لوفرة السلاح الذي خلفه البريطانيون في هزيمتهم.

وقد سجل التاريخ القديم شجاعة الفلسطينيين في عهد الكنعانيين الذين خرجوا كالفينيقيين من جزيرة العرب في موجات هجرة متعاقبة إلى سواحل البلاد العربية. وتعني كلمة (فلسطيني) في اللغة الكنعانية (الجندي المحارب). فأهل هذه البلاد الفلسطينية شجعان محاربون منذ أقدم الأزمان، وهم أجدر الناس بالذود عن حماهم وحصن أرضهم.

English
translation

In response, they complied with them and in turn pressured some Arab states, which yielded to their wishes and worked to remove the Palestinians from their decisive struggle in the fields of war and politics.

The Palestinians were known for exceptional courage, and their soldiers in the armies of the Ottoman state became renowned for rare valor, to the point that the Palestinian regiments were ranked in the first class among the Ottoman state’s armies. General Muhammad Ali Pasha told me this. He had been the last Turkish commander in Yemen during the First World War and before that had supervised recruitment in the Ministry of War in Istanbul.

Another who testified to this was Ahmad Jamal Pasha, famous as the Butcher and known for his hostility to the Arabs, during the First World War, when he issued an official communiqué praising the extraordinary courage shown by the Palestinian soldiers in Gaza against many times their number of enemy soldiers. He said that it was an extraordinary valor recalling the valor displayed by their forefathers when they protected these holy regions under the command of Saladin al-Ayyubi.

I had the opportunity to meet the Ottoman commander Adib Tharwat Bey, who had commanded the Third Division. He told me about this battle: “Our division consisted of no more than three thousand soldiers, all sons of Palestine. I was commanding it when the British Army stormed the city of Gaza in 1917 with two complete divisions of Australian soldiers. A British fleet took part in the battle from the sea, hurling shells from its huge guns at Gaza until it destroyed it utterly. Despite this, the Palestinian soldiers stood firm against the advancing British force and fought its soldiers with unparalleled courage. Then they launched a counterattack, defeated it decisively, inflicted heavy losses on the soldiers of the two Australian divisions, and captured much war booty. The abundance of weapons left by the British in their defeat made the price of an English rifle in that area no more than one Majidi riyal.”

Ancient history recorded the courage of the Palestinians in the era of the Canaanites, who, like the Phoenicians, came from the Arabian Peninsula in successive waves of migration to the coasts of the Arab lands. The word “Palestinian” in the Canaanite language means “warrior soldier.” The people of these Palestinian lands have therefore been brave warriors since the earliest times, and they are the people most entitled to defend their territory and fortify their land.

Analysis

Page 388 continues the memoir’s argument that foreign pressure removed Palestinians from military and political struggle. It presents Ottoman-era and First World War testimony, including claims about Palestinian regiments, the 1917 Gaza battle, and a Canaanite etymology for “Palestinian.” These are memoir claims and attributed recollections; the page does not independently verify the military history or linguistic assertion.

Raw transcript

معهم، فاستجابت لهم وضغطت هي بدورها على بعض الدول العربية فرضخت لرغبتهم وعملت على إبعاد الفلسطينيين عن معركتهم المصيرية في ميداني الحرب والسياسة.

ولقد عرف الفلسطينيون بالشجاعة الفائقة، واشتهر جنودهم في جيوش الدولة العثمانية بالبأسلة النادرة، حتى جاء تصنيف الأفواج الفلسطينية في الدرجة الأولى من جيوش الدولة العثمانية، حدثني بهذا الجنرال محمد علي باشا الذي كان آخر قائد تركي في اليمن في الحرب العالمية الأولى، وكان من قبل ذلك المشرف على التجنيد في وزارة الحربية في استانبول.

ومن شهد لهم بذلك أيضاً أحمد جمال باشا المشهور بالسفاح والمعروف بعدائه للعرب، في الحرب العالمية الأولى، عندما أصدر بلاغاً رسمياً أشاد فيه بالشجاعة الفذة التي أظهرها الجنود الفلسطينيون في غزة أمام أضعاف أضعافهم من جنود الأعداء، وقال إنها بسالة خارقة تذكر بالبسالة التي تحلى بها آباؤهم من قبل، عندما حموا هذه البقاع المقدسة بقيادة صلاح الدين الأيوبي.

وقد أتيح لي أن اجتمع بالقائد العثماني أديب ثروت بك الذي كان قائد الفرقة الثالثة، فحدثني عن هذه المعركة فقال كان موجود فرقتنا لا يزيد عن ثلاثة آلاف جندي كلهم من أبناء فلسطين، وكنت أتولى قيادتها عندما اقتحم الجيش البريطاني مدينة غزة عام ١٩١٧ بفرقتين كاملتين من الجنود الأستراليين، وكان أسطول بريطاني يشترك في المعركة من البحر يقذف بقنابل مدافعه الضخمة على غزة حتى دمرها تدميراً، ورغم ذلك صمد الجنود الفلسطينيون للحملة البريطانية الزاحفة، وقاتلوا جنودها ببسالة لا نظير لها، ثم شنوا عليها هجوماً معاكساً فهزموها شر هزيمة، وأنزلوا بجنود الفرقتين الأستراليتين خسائر كبيرة وغنموا غنائم حربية كثيرة، حتى أصبح ثمن البندقية الإنكليزية في تلك المنطقة لا يزيد على ريال مجيدي واحد لوفرة السلاح الذي خلفه البريطانيون في هزيمتهم.

وقد سجل التاريخ القديم شجاعة الفلسطينيين في عهد الكنعانيين الذين خرجوا كالفينيقيين من جزيرة العرب في موجات هجرة متعاقبة إلى سواحل البلاد العربية. وتعني كلمة (فلسطيني) في اللغة الكنعانية (الجندي المحارب). فأهل هذه البلاد الفلسطينية شجعان محاربون منذ أقدم الأزمان، وهم أجدر الناس بالذود عن حماهم وحصن أرضهم.