معهم، فاستجابت لهم وضغطت هي بدورها على بعض الدول العربية فرضخت لرغبتهم وعملت على إبعاد الفلسطينيين عن معركتهم المصيرية في ميداني الحرب والسياسة.
ولقد عرف الفلسطينيون بالشجاعة الفائقة، واشتهر جنودهم في جيوش الدولة العثمانية بالبأسلة النادرة، حتى جاء تصنيف الأفواج الفلسطينية في الدرجة الأولى من جيوش الدولة العثمانية، حدثني بهذا الجنرال محمد علي باشا الذي كان آخر قائد تركي في اليمن في الحرب العالمية الأولى، وكان من قبل ذلك المشرف على التجنيد في وزارة الحربية في استانبول.
ومن شهد لهم بذلك أيضاً أحمد جمال باشا المشهور بالسفاح والمعروف بعدائه للعرب، في الحرب العالمية الأولى، عندما أصدر بلاغاً رسمياً أشاد فيه بالشجاعة الفذة التي أظهرها الجنود الفلسطينيون في غزة أمام أضعاف أضعافهم من جنود الأعداء، وقال إنها بسالة خارقة تذكر بالبسالة التي تحلى بها آباؤهم من قبل، عندما حموا هذه البقاع المقدسة بقيادة صلاح الدين الأيوبي.
وقد أتيح لي أن اجتمع بالقائد العثماني أديب ثروت بك الذي كان قائد الفرقة الثالثة، فحدثني عن هذه المعركة فقال كان موجود فرقتنا لا يزيد عن ثلاثة آلاف جندي كلهم من أبناء فلسطين، وكنت أتولى قيادتها عندما اقتحم الجيش البريطاني مدينة غزة عام ١٩١٧ بفرقتين كاملتين من الجنود الأستراليين، وكان أسطول بريطاني يشترك في المعركة من البحر يقذف بقنابل مدافعه الضخمة على غزة حتى دمرها تدميراً، ورغم ذلك صمد الجنود الفلسطينيون للحملة البريطانية الزاحفة، وقاتلوا جنودها ببسالة لا نظير لها، ثم شنوا عليها هجوماً معاكساً فهزموها شر هزيمة، وأنزلوا بجنود الفرقتين الأستراليتين خسائر كبيرة وغنموا غنائم حربية كثيرة، حتى أصبح ثمن البندقية الإنكليزية في تلك المنطقة لا يزيد على ريال مجيدي واحد لوفرة السلاح الذي خلفه البريطانيون في هزيمتهم.
وقد سجل التاريخ القديم شجاعة الفلسطينيين في عهد الكنعانيين الذين خرجوا كالفينيقيين من جزيرة العرب في موجات هجرة متعاقبة إلى سواحل البلاد العربية. وتعني كلمة (فلسطيني) في اللغة الكنعانية (الجندي المحارب). فأهل هذه البلاد الفلسطينية شجعان محاربون منذ أقدم الأزمان، وهم أجدر الناس بالذود عن حماهم وحصن أرضهم.