مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 389

Normalized
transcript

ولعل الفلسطينيين أجدر العرب بأن ينطبق عليهم وصف عمرو بن كلثوم لقومه بني تغلب:

معاذ الله أن تروح نساؤنا على هالك أو أن تضيع من القتل فراع السيوف بالسيوف أهلنا بأرض براح ذي أراك وذي أثل فما أبقت الأيام المال عندنا سوى بخدام أزواد محدفة النسل ثلاثة أثلاث: فامنان خيولنا، وأوقتانا، وما نسوق إلى القتيل

ففي معركة باب الواد الآنفة الذكر عرضت السلطات البريطانية شهداء المعركة الفلسطينية على القرى المجاورة ليتعرف عليهم أهلهم، فكانت الفتاة أو المرأة العربية تشاهد أباها أو أخاها أو ولدها أو زوجها قتيلاً مضرجاً بدمه فلا تذرف عينها دمعة، وكان رجال السلطة يسألونهم هل يعرفن هذا الشهيد أو ذاك، فكانت ألسنتهن تجيب سلباً وأكبادهم تتقطع حزناً وأسًى..

إن ما عرفه الإنكليز واليهود وما خبروه من بسالة الفلسطينيين وقوة روحهم الحربي، جعلهم يتخذون كافة الوسائل المباشرة وغير المباشرة لإبعادهم عن ميادين القتال، ويمارسون ضغطهم على بعض الدول العربية من أجل ذلك، محتجين بأن ما أوقعه الفلسطينيون في اليهود عام ١٩٤٧ في معارك صوريف والدهيشة وبيت سوريك وغيرها، وفي كثير من مناطق فلسطين الشمالية والوسطى والجنوبية وما أصابوهم به من ضربات قاسية قد أثار الرأي العام العالمي على العرب كما جاء في المذكرة البريطانية المقدمة إلى الأمانة العامة للجامعة العربية ودولها في أواخر عام ١٩٤٧، ولذلك ينبغي منع الفلسطينيين من دخول المعركة؟!.

وقد نجح الإنكليز في خطتهم هذه، وعملوا على تعديل خطة الدول العربية، وحملوا بعضها على إدخال جيوشها إلى فلسطين وعلى إبعاد المجاهدين الفلسطينيين عن ميدان معركتهم، وكانت خطة الدول العربية التي تقررت في اجتماع عاليه - لبنان في السابع من تشرين الأول ١٩٤٧ أن يكون العول في حرب فلسطين على أبنائها، وأن تمدهم الدول العربية بالأسلحة والذخائر والأموال وما إلى ذلك من وسائل المساعدة، وأن لا تدخل الجيوش العربية النظامية فلسطين، بل تكتفي بالمرابطة على حدودها، ولكني عندما شعرت حينئذ برغبة بعض الأشخاص الرسميين من العرب في إدخال الجيوش العربية فلسطين وباندفاعها في هذه السبيل، أوجست في نفسي خيفة،

English
translation

Perhaps the Palestinians are the Arabs most deserving of having applied to them the description that Amr ibn Kulthum gave of his people, the Banu Taghlib:

God forbid that our women should go forth Over one who has fallen, or be lost through slaughter. The clashing of swords with swords, our people On open ground with arak and tamarisk. The days have left us no wealth Except pack animals with clipped offspring. Three thirds: our horses, our weapons, And what we drive toward the slain.

In the aforementioned Battle of Bab al-Wad, the British authorities displayed the Palestinian battle martyrs to the neighboring villages so that their families could identify them. A young woman or Arab woman would see her father, brother, son, or husband killed and drenched in blood, yet her eye would not shed a tear. The authorities’ men would ask them whether they recognized this martyr or that one, and their tongues would answer in the negative while their hearts were torn by grief and sorrow.

What the English and the Jews knew and had experienced of the Palestinians’ courage and strength of spirit in war led them to take every direct and indirect measure to remove them from the fields of battle and to pressure some Arab states for that purpose. They argued that what the Palestinians had inflicted on the Jews in 1947 in the battles of Surif, al-Duhaysha, Bayt Surik, and elsewhere, and in many areas of northern, central, and southern Palestine, and the severe blows they had dealt them, had turned world public opinion against the Arabs, as stated in the British memorandum submitted to the General Secretariat of the Arab League and its states at the end of 1947. Therefore, it said, the Palestinians should be prevented from entering the battle?!

The British succeeded in this plan. They worked to amend the Arab states’ plan and induced some of them to send their armies into Palestine and remove the Palestinian fighters from their battlefield. The Arab states’ plan decided at the meeting in Aley, Lebanon, on 7 October 1947, was that the burden in the Palestine war should fall on its sons, that the Arab states should supply them with weapons, ammunition, money, and other means of assistance, and that the regular Arab armies should not enter Palestine but should remain stationed on its borders. But when I sensed at that time that some official Arab figures wished to bring the Arab armies into Palestine and were pressing in that direction, I felt apprehensive

Analysis

Page 389 uses a classical Arabic poem, the Bab al-Wad martyr narrative, and a British memorandum claim to argue that Palestinians were deliberately excluded from the 1947 Palestine war. It presents the Aley plan as an original Arab arrangement later altered under British pressure. The page ends with the memoirist’s apprehension continuing onto page 390; the claims and quotations require separate corroboration.

Raw transcript

ولعل الفلسطينيين أجدر العرب بأن ينطبق عليهم وصف عمرو بن كلثوم لقومه بني تغلب:

معاذ الله أن تروح نساؤنا على هالك أو أن تضيع من القتل فراع السيوف بالسيوف أهلنا بأرض براح ذي أراك وذي أثل فما أبقت الأيام المال عندنا سوى بخدام أزواد محدفة النسل ثلاثة أثلاث: فامنان خيولنا، وأوقتانا، وما نسوق إلى القتيل

ففي معركة باب الواد الآنفة الذكر عرضت السلطات البريطانية شهداء المعركة الفلسطينية على القرى المجاورة ليتعرف عليهم أهلهم، فكانت الفتاة أو المرأة العربية تشاهد أباها أو أخاها أو ولدها أو زوجها قتيلاً مضرجاً بدمه فلا تذرف عينها دمعة، وكان رجال السلطة يسألونهم هل يعرفن هذا الشهيد أو ذاك، فكانت ألسنتهن تجيب سلباً وأكبادهم تتقطع حزناً وأسًى..

إن ما عرفه الإنكليز واليهود وما خبروه من بسالة الفلسطينيين وقوة روحهم الحربي، جعلهم يتخذون كافة الوسائل المباشرة وغير المباشرة لإبعادهم عن ميادين القتال، ويمارسون ضغطهم على بعض الدول العربية من أجل ذلك، محتجين بأن ما أوقعه الفلسطينيون في اليهود عام ١٩٤٧ في معارك صوريف والدهيشة وبيت سوريك وغيرها، وفي كثير من مناطق فلسطين الشمالية والوسطى والجنوبية وما أصابوهم به من ضربات قاسية قد أثار الرأي العام العالمي على العرب كما جاء في المذكرة البريطانية المقدمة إلى الأمانة العامة للجامعة العربية ودولها في أواخر عام ١٩٤٧، ولذلك ينبغي منع الفلسطينيين من دخول المعركة؟!.

وقد نجح الإنكليز في خطتهم هذه، وعملوا على تعديل خطة الدول العربية، وحملوا بعضها على إدخال جيوشها إلى فلسطين وعلى إبعاد المجاهدين الفلسطينيين عن ميدان معركتهم، وكانت خطة الدول العربية التي تقررت في اجتماع عاليه - لبنان في السابع من تشرين الأول ١٩٤٧ أن يكون العول في حرب فلسطين على أبنائها، وأن تمدهم الدول العربية بالأسلحة والذخائر والأموال وما إلى ذلك من وسائل المساعدة، وأن لا تدخل الجيوش العربية النظامية فلسطين، بل تكتفي بالمرابطة على حدودها، ولكني عندما شعرت حينئذ برغبة بعض الأشخاص الرسميين من العرب في إدخال الجيوش العربية فلسطين وباندفاعها في هذه السبيل، أوجست في نفسي خيفة،