ولعل الفلسطينيين أجدر العرب بأن ينطبق عليهم وصف عمرو بن كلثوم لقومه بني تغلب:
معاذ الله أن تروح نساؤنا على هالك أو أن تضيع من القتل فراع السيوف بالسيوف أهلنا بأرض براح ذي أراك وذي أثل فما أبقت الأيام المال عندنا سوى بخدام أزواد محدفة النسل ثلاثة أثلاث: فامنان خيولنا، وأوقتانا، وما نسوق إلى القتيل
ففي معركة باب الواد الآنفة الذكر عرضت السلطات البريطانية شهداء المعركة الفلسطينية على القرى المجاورة ليتعرف عليهم أهلهم، فكانت الفتاة أو المرأة العربية تشاهد أباها أو أخاها أو ولدها أو زوجها قتيلاً مضرجاً بدمه فلا تذرف عينها دمعة، وكان رجال السلطة يسألونهم هل يعرفن هذا الشهيد أو ذاك، فكانت ألسنتهن تجيب سلباً وأكبادهم تتقطع حزناً وأسًى..
إن ما عرفه الإنكليز واليهود وما خبروه من بسالة الفلسطينيين وقوة روحهم الحربي، جعلهم يتخذون كافة الوسائل المباشرة وغير المباشرة لإبعادهم عن ميادين القتال، ويمارسون ضغطهم على بعض الدول العربية من أجل ذلك، محتجين بأن ما أوقعه الفلسطينيون في اليهود عام ١٩٤٧ في معارك صوريف والدهيشة وبيت سوريك وغيرها، وفي كثير من مناطق فلسطين الشمالية والوسطى والجنوبية وما أصابوهم به من ضربات قاسية قد أثار الرأي العام العالمي على العرب كما جاء في المذكرة البريطانية المقدمة إلى الأمانة العامة للجامعة العربية ودولها في أواخر عام ١٩٤٧، ولذلك ينبغي منع الفلسطينيين من دخول المعركة؟!.
وقد نجح الإنكليز في خطتهم هذه، وعملوا على تعديل خطة الدول العربية، وحملوا بعضها على إدخال جيوشها إلى فلسطين وعلى إبعاد المجاهدين الفلسطينيين عن ميدان معركتهم، وكانت خطة الدول العربية التي تقررت في اجتماع عاليه - لبنان في السابع من تشرين الأول ١٩٤٧ أن يكون العول في حرب فلسطين على أبنائها، وأن تمدهم الدول العربية بالأسلحة والذخائر والأموال وما إلى ذلك من وسائل المساعدة، وأن لا تدخل الجيوش العربية النظامية فلسطين، بل تكتفي بالمرابطة على حدودها، ولكني عندما شعرت حينئذ برغبة بعض الأشخاص الرسميين من العرب في إدخال الجيوش العربية فلسطين وباندفاعها في هذه السبيل، أوجست في نفسي خيفة،