مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 393

Normalized
transcript

الأمر لا يعدو أن يكون (نزهة عسكرية)، أما المرحوم الملك عبد العزيز فقد استدعى رؤساء الوزارات العربية إلى الرياض ونصحهم بأن لا يدخلوا جيوشهم، فلما أصروا نصحهم بأن يرسلوا متطوعين، واستعد هو أن يرسل عدداً كبيراً من المتطوعين، فلما لم يقبلوا النصح قال لهم إنكم ستندمون.

وقد كان الضغط الاستعماري هو العامل الأكبر في تلك الخطة في إبعاد الفلسطينيين عن المعركة، وخشية من تفاقم حرب العصابات والفداء التي هي العلاج الوحيد لداء الظلم والعدوان ورد كيد الاستعمار إلى نحره.

كما كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الجهات العربية المسؤولة، والتي لا تقل خطراً عن وعد بلفور نفسه، إنها منحت الأعداء الصهيونيين فرصة فريدة استمرت عشرين سنة كاملة من المهادنة والمسالمة، اغتنمها أولئك الأعداء لتشييد أركان دولتهم واستكمال استعداداتهم الحربية كما يشاءون، دون رقيب ولا حسيب. وقد دفعت بعض الدول العربية الضالعة مع الصهيونيين ثمن تلك المهادنة والمسالمة.

ومن تلك الأخطاء أيضاً تعامل بعض الجهات العربية المسؤولة مع الدول الأجنبية الضالعة مع اليهود، وتعاونها معها تعاوناً اقتصادياً، وعقدها معها صفقات تجارية واقتصادية واسعة تعود عليها بمكاسب عظيمة تبتزها من موارد ثروة الأمة العربية.

من أهم الأخطاء التي وقعت فيها الجهات العربية المسؤولة، أنها لم تقابل الخطر الصهيوني الداهم، بما يستحقه من الجد والجهد، أو لم تقدر حقيقة تهديده للبلاد العربية، ولذلك لم تتخذ الأهبة الكافية، ولا أعدت المستطاع من القوة فلم تفرض التجنيد الاجباري، ولا التدريب العام في حينه، ولا تزال بعض البلاد العربية حتى اليوم محرومة من التجنيد الاجباري والتدريب العام، ورغم النكبات التي نزلت بالعرب بسبب العدوان اليهودي، والعار الذي أذل نفوسهم وطأطأ رؤوسهم بعد نكبتي ١٩٤٨ و١٩٦٧ فإن الأمة العربية لم تأخذ العبرة الكافية، فإنك إذا جبت الأقطار العربية لا تشعر بالجو الحربي فالناس سادرون في لهوهم وبذخهم، ومنهمكون في تجارتهم، ومشروعاتهم العمرانية والاقتصادية، فهم يشيدون الأبنية الخاصة، وكأنهم لا يخشون أن تسقط في أيدي الأعداء، ولا يبذلون شيئاً مذكوراً للجهد الحربي، وما أشبه الأقطار العربية المنهمكة بأعمال العمران وتنمية الثروات، بمن يزرع حديقة غناء له فيها من كل الثمرات، لكنه لا يسورها ولا يعين لها من يحرسها، فتكون ثمراتها في النهاية للسارقين أو الناهبين.

English
translation

the matter was no more than a “military excursion.” As for the late King Abd al-Aziz, he summoned the Arab prime ministers to Riyadh and advised them not to send their armies. When they insisted, he advised them to send volunteers and declared his readiness to send a large number of volunteers himself. When they did not accept his advice, he told them: “You will regret it.”

Colonial pressure was the greatest factor in that plan to remove the Palestinians from the battle, out of fear that the guerrilla and fedayeen war, which is the only remedy for the disease of injustice and aggression, would worsen and turn colonialism’s schemes back upon it.

Another of the greatest errors committed by the responsible Arab authorities, no less dangerous than the Balfour Declaration itself, was that they gave the Zionist enemies a unique opportunity that lasted a full twenty years of truce and conciliation. Those enemies used it to build the foundations of their state and complete their military preparations as they wished, without oversight or accountability. Some Arab states implicated with the Zionists paid the price of that truce and conciliation.

Another of those errors was the dealings of some responsible Arab authorities with foreign states implicated with the Jews, their economic cooperation with them, and their conclusion of broad commercial and economic agreements that brought them great gains, which they extracted from the resources of the Arab nation’s wealth.

Among the most important errors of the responsible Arab authorities was that they did not confront the approaching Zionist danger with the seriousness and effort it deserved, or appreciate the reality of its threat to the Arab lands. Therefore, they did not make sufficient preparations or ready the available strength. They did not impose conscription or general training at the proper time, and some Arab countries remain deprived of conscription and general training to this day. Despite the disasters that befell the Arabs because of Jewish aggression and the disgrace that humiliated them and bowed their heads after the disasters of 1948 and 1967, the Arab nation did not learn a sufficient lesson. If you travel through the Arab countries, you do not feel a wartime atmosphere. People are immersed in amusement and luxury, absorbed in their trade and their urban and economic projects. They build private buildings as though they do not fear that they will fall into the hands of the enemies, and they contribute nothing notable to the war effort. The Arab countries absorbed in construction and the development of wealth resemble someone who plants a lush garden containing every kind of fruit but does not fence it or appoint anyone to guard it, so that its fruits ultimately belong to thieves or plunderers.

Analysis

Page 393 continues the critique of Arab intervention and colonial pressure, then presents a broad indictment of Arab authorities for truce, economic cooperation, inadequate military preparation, and post-1948 and post-1967 complacency. The garden allegory closes the page. The analysis records the memoir’s political argument and polemic; it does not endorse or independently verify its causal claims.

Raw transcript

الأمر لا يعدو أن يكون (نزهة عسكرية)، أما المرحوم الملك عبد العزيز فقد استدعى رؤساء الوزارات العربية إلى الرياض ونصحهم بأن لا يدخلوا جيوشهم، فلما أصروا نصحهم بأن يرسلوا متطوعين، واستعد هو أن يرسل عدداً كبيراً من المتطوعين، فلما لم يقبلوا النصح قال لهم إنكم ستندمون.

وقد كان الضغط الاستعماري هو العامل الأكبر في تلك الخطة في إبعاد الفلسطينيين عن المعركة، وخشية من تفاقم حرب العصابات والفداء التي هي العلاج الوحيد لداء الظلم والعدوان ورد كيد الاستعمار إلى نحره.

كما كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الجهات العربية المسؤولة، والتي لا تقل خطراً عن وعد بلفور نفسه، إنها منحت الأعداء الصهيونيين فرصة فريدة استمرت عشرين سنة كاملة من المهادنة والمسالمة، اغتنمها أولئك الأعداء لتشييد أركان دولتهم واستكمال استعداداتهم الحربية كما يشاءون، دون رقيب ولا حسيب. وقد دفعت بعض الدول العربية الضالعة مع الصهيونيين ثمن تلك المهادنة والمسالمة.

ومن تلك الأخطاء أيضاً تعامل بعض الجهات العربية المسؤولة مع الدول الأجنبية الضالعة مع اليهود، وتعاونها معها تعاوناً اقتصادياً، وعقدها معها صفقات تجارية واقتصادية واسعة تعود عليها بمكاسب عظيمة تبتزها من موارد ثروة الأمة العربية.

من أهم الأخطاء التي وقعت فيها الجهات العربية المسؤولة، أنها لم تقابل الخطر الصهيوني الداهم، بما يستحقه من الجد والجهد، أو لم تقدر حقيقة تهديده للبلاد العربية، ولذلك لم تتخذ الأهبة الكافية، ولا أعدت المستطاع من القوة فلم تفرض التجنيد الاجباري، ولا التدريب العام في حينه، ولا تزال بعض البلاد العربية حتى اليوم محرومة من التجنيد الاجباري والتدريب العام، ورغم النكبات التي نزلت بالعرب بسبب العدوان اليهودي، والعار الذي أذل نفوسهم وطأطأ رؤوسهم بعد نكبتي ١٩٤٨ و١٩٦٧ فإن الأمة العربية لم تأخذ العبرة الكافية، فإنك إذا جبت الأقطار العربية لا تشعر بالجو الحربي فالناس سادرون في لهوهم وبذخهم، ومنهمكون في تجارتهم، ومشروعاتهم العمرانية والاقتصادية، فهم يشيدون الأبنية الخاصة، وكأنهم لا يخشون أن تسقط في أيدي الأعداء، ولا يبذلون شيئاً مذكوراً للجهد الحربي، وما أشبه الأقطار العربية المنهمكة بأعمال العمران وتنمية الثروات، بمن يزرع حديقة غناء له فيها من كل الثمرات، لكنه لا يسورها ولا يعين لها من يحرسها، فتكون ثمراتها في النهاية للسارقين أو الناهبين.