الأمر لا يعدو أن يكون (نزهة عسكرية)، أما المرحوم الملك عبد العزيز فقد استدعى رؤساء الوزارات العربية إلى الرياض ونصحهم بأن لا يدخلوا جيوشهم، فلما أصروا نصحهم بأن يرسلوا متطوعين، واستعد هو أن يرسل عدداً كبيراً من المتطوعين، فلما لم يقبلوا النصح قال لهم إنكم ستندمون.
وقد كان الضغط الاستعماري هو العامل الأكبر في تلك الخطة في إبعاد الفلسطينيين عن المعركة، وخشية من تفاقم حرب العصابات والفداء التي هي العلاج الوحيد لداء الظلم والعدوان ورد كيد الاستعمار إلى نحره.
كما كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الجهات العربية المسؤولة، والتي لا تقل خطراً عن وعد بلفور نفسه، إنها منحت الأعداء الصهيونيين فرصة فريدة استمرت عشرين سنة كاملة من المهادنة والمسالمة، اغتنمها أولئك الأعداء لتشييد أركان دولتهم واستكمال استعداداتهم الحربية كما يشاءون، دون رقيب ولا حسيب. وقد دفعت بعض الدول العربية الضالعة مع الصهيونيين ثمن تلك المهادنة والمسالمة.
ومن تلك الأخطاء أيضاً تعامل بعض الجهات العربية المسؤولة مع الدول الأجنبية الضالعة مع اليهود، وتعاونها معها تعاوناً اقتصادياً، وعقدها معها صفقات تجارية واقتصادية واسعة تعود عليها بمكاسب عظيمة تبتزها من موارد ثروة الأمة العربية.
من أهم الأخطاء التي وقعت فيها الجهات العربية المسؤولة، أنها لم تقابل الخطر الصهيوني الداهم، بما يستحقه من الجد والجهد، أو لم تقدر حقيقة تهديده للبلاد العربية، ولذلك لم تتخذ الأهبة الكافية، ولا أعدت المستطاع من القوة فلم تفرض التجنيد الاجباري، ولا التدريب العام في حينه، ولا تزال بعض البلاد العربية حتى اليوم محرومة من التجنيد الاجباري والتدريب العام، ورغم النكبات التي نزلت بالعرب بسبب العدوان اليهودي، والعار الذي أذل نفوسهم وطأطأ رؤوسهم بعد نكبتي ١٩٤٨ و١٩٦٧ فإن الأمة العربية لم تأخذ العبرة الكافية، فإنك إذا جبت الأقطار العربية لا تشعر بالجو الحربي فالناس سادرون في لهوهم وبذخهم، ومنهمكون في تجارتهم، ومشروعاتهم العمرانية والاقتصادية، فهم يشيدون الأبنية الخاصة، وكأنهم لا يخشون أن تسقط في أيدي الأعداء، ولا يبذلون شيئاً مذكوراً للجهد الحربي، وما أشبه الأقطار العربية المنهمكة بأعمال العمران وتنمية الثروات، بمن يزرع حديقة غناء له فيها من كل الثمرات، لكنه لا يسورها ولا يعين لها من يحرسها، فتكون ثمراتها في النهاية للسارقين أو الناهبين.