لقد كان الشاعر الجاهلي لقيط الأيادي، أبعد نظراً عندما حذر قومه في قصيدته التي سبقت الإشارة إليها في هذه المذكرات بقوله:
لا تثمروا المال للأعداء إنهم إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا
فالعرب في هذا الأمر الخطير، بعكس اليهود المعتدين، الذين اتبعوا خطة التوفير والتقتير، واجتنبوا البذخ والبطر، وسائر الشؤون الكمالية ووفروا ما استطاعوا للجهد الحربي، حتى أن موازنة دفاعهم زادت ثلاثة أضعاف عما كانت عليه يوم ٥ حزيران ١٩٦٧ فأصبحت لثلاثمائة وخمسين مليوناً من الجنيهات الاسترلينية، وزادوا تسليحهم كثيراً رغم أنهم كانوا منتصرين.
فيجب على الدول العربية أن تتخذ الوسائل الكفيلة بحماية هذه الثروات العظيمة لكيلا تقع غنائم باردة في أيدي الأعداء، كما وقع في البلاد الفلسطينية.
من لم تفده عبراً أيامه كان العمى أولى به من الهدى
ومن أخطاء العرب المميتة هذا الانقسام الذي لا يزال ملازماً لهم دون أي مبرر، أمام الأخطار الحادقة، مع أن الأحقاد تذهب عند الشدائد.
ومن أخطاء المسؤولين العرب غفلتهم العجيبة وإهمالهم العناية بمستقبل أبنائهم وتربية أجيالهم الجديدة، فرغم المخصصات الكبيرة، والأموال الطائلة، التي تنفق على التعليم، وإنشاء المدارس والجامعات، بدون خطة تربوية، ولا عناية ثقافية أو روحية، فهم يلقون بأولادهم وفلذات أكبادهم في المدارس الأجنبية، أو في أيدي المعلمين المتخرجين من المعاهد الأجنبية، والتابعين بطباعهم، والحاملين للمبادئ المستوردة من غربية أو شرقية، والمناقضة لعقائدنا ومبادئنا وثقافتنا، فهم يلقنون أبناءنا شيئاً من العلم ممزوجاً بالسم الزعاف، مع أن كل أمة واعية تعني بمستقبلها، تهتم قبل كل شيء بتثقيف أبنائها بالمبادئ الصحيحة والأخلاق الكريمة والعقائد السليمة، وتضع الشؤون الروحية والخلقية والوطنية في المرتبة الأولى، فالأمم بأخلاقها ورحم الله أحمد شوقي حيث يقول:
وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا
ومن أهم الأخطاء، فتح أبواب البلاد العربية المجاورة لفلسطين، لتسهيل هجرتهم منها، فإن الهيئة العربية العليا لفلسطين كانت شديدة الحرص على استبقاء الفلسطينيين