مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 394

Normalized
transcript

لقد كان الشاعر الجاهلي لقيط الأيادي، أبعد نظراً عندما حذر قومه في قصيدته التي سبقت الإشارة إليها في هذه المذكرات بقوله:

لا تثمروا المال للأعداء إنهم إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا

فالعرب في هذا الأمر الخطير، بعكس اليهود المعتدين، الذين اتبعوا خطة التوفير والتقتير، واجتنبوا البذخ والبطر، وسائر الشؤون الكمالية ووفروا ما استطاعوا للجهد الحربي، حتى أن موازنة دفاعهم زادت ثلاثة أضعاف عما كانت عليه يوم ٥ حزيران ١٩٦٧ فأصبحت لثلاثمائة وخمسين مليوناً من الجنيهات الاسترلينية، وزادوا تسليحهم كثيراً رغم أنهم كانوا منتصرين.

فيجب على الدول العربية أن تتخذ الوسائل الكفيلة بحماية هذه الثروات العظيمة لكيلا تقع غنائم باردة في أيدي الأعداء، كما وقع في البلاد الفلسطينية.

من لم تفده عبراً أيامه كان العمى أولى به من الهدى

ومن أخطاء العرب المميتة هذا الانقسام الذي لا يزال ملازماً لهم دون أي مبرر، أمام الأخطار الحادقة، مع أن الأحقاد تذهب عند الشدائد.

ومن أخطاء المسؤولين العرب غفلتهم العجيبة وإهمالهم العناية بمستقبل أبنائهم وتربية أجيالهم الجديدة، فرغم المخصصات الكبيرة، والأموال الطائلة، التي تنفق على التعليم، وإنشاء المدارس والجامعات، بدون خطة تربوية، ولا عناية ثقافية أو روحية، فهم يلقون بأولادهم وفلذات أكبادهم في المدارس الأجنبية، أو في أيدي المعلمين المتخرجين من المعاهد الأجنبية، والتابعين بطباعهم، والحاملين للمبادئ المستوردة من غربية أو شرقية، والمناقضة لعقائدنا ومبادئنا وثقافتنا، فهم يلقنون أبناءنا شيئاً من العلم ممزوجاً بالسم الزعاف، مع أن كل أمة واعية تعني بمستقبلها، تهتم قبل كل شيء بتثقيف أبنائها بالمبادئ الصحيحة والأخلاق الكريمة والعقائد السليمة، وتضع الشؤون الروحية والخلقية والوطنية في المرتبة الأولى، فالأمم بأخلاقها ورحم الله أحمد شوقي حيث يقول:

وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا

ومن أهم الأخطاء، فتح أبواب البلاد العربية المجاورة لفلسطين، لتسهيل هجرتهم منها، فإن الهيئة العربية العليا لفلسطين كانت شديدة الحرص على استبقاء الفلسطينيين

English
translation

The pre-Islamic poet Laqit al-Iyadi saw farther when he warned his people in the poem mentioned earlier in these memoirs:

Do not make wealth bear fruit for the enemies, for if they appear, they will seize you and your ancestral wealth together.

In this grave matter, the Arabs are unlike the aggressive Jews, who followed a policy of saving and frugality, avoided extravagance, luxury, and other matters of comfort, and devoted whatever they could to the war effort. Their defense budget even increased threefold from what it had been on 5 June 1967, reaching 350 million pounds sterling, and they greatly increased their armament even though they had been victorious.

The Arab states must therefore take measures to protect these great riches so that they do not fall as easy spoils into the hands of the enemies, as happened in the Palestinian lands.

Whoever gains no lesson from his days, blindness is more fitting for him than guidance.

One of the Arabs’ fatal errors is this division that remains with them without justification in the face of surrounding dangers, even though hatreds disappear in times of hardship.

Another error of the Arab authorities is their astonishing heedlessness and neglect of concern for the future of their children and the upbringing of their new generations. Despite the large allocations and vast sums spent on education and the establishment of schools and universities, without an educational plan or cultural or spiritual care, they cast their children and their heart’s offspring into foreign schools or into the hands of teachers graduated from foreign institutes, shaped by their customs and carrying principles imported from the West or East that contradict our beliefs, principles, and culture. They teach our children some knowledge mixed with deadly poison, even though every aware nation cares for its future and, before all else, concerns itself with educating its children in sound principles, noble morals, and healthy beliefs, placing spiritual, moral, and national matters first. Nations are defined by their morals. May God have mercy on Ahmad Shawqi, who said:

No building of a people is flourishing when their morals are in ruins.

Among the most important errors was opening the doors of the Arab countries neighboring Palestine, thereby facilitating their migration from it. The Arab Higher Committee for Palestine was extremely concerned to keep the Palestinians

Analysis

Page 394 extends the memoir’s critique of Arab wealth, education, division, and military preparation, contrasting it with a favorable portrayal of Jewish frugality and defense spending. It then introduces the Arab Higher Committee’s efforts to prevent Palestinian departure. The page contains political polemic and a source-attributed verse; it does not independently verify the budget figures or causal claims.

Raw transcript

لقد كان الشاعر الجاهلي لقيط الأيادي، أبعد نظراً عندما حذر قومه في قصيدته التي سبقت الإشارة إليها في هذه المذكرات بقوله:

لا تثمروا المال للأعداء إنهم إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا

فالعرب في هذا الأمر الخطير، بعكس اليهود المعتدين، الذين اتبعوا خطة التوفير والتقتير، واجتنبوا البذخ والبطر، وسائر الشؤون الكمالية ووفروا ما استطاعوا للجهد الحربي، حتى أن موازنة دفاعهم زادت ثلاثة أضعاف عما كانت عليه يوم ٥ حزيران ١٩٦٧ فأصبحت لثلاثمائة وخمسين مليوناً من الجنيهات الاسترلينية، وزادوا تسليحهم كثيراً رغم أنهم كانوا منتصرين.

فيجب على الدول العربية أن تتخذ الوسائل الكفيلة بحماية هذه الثروات العظيمة لكيلا تقع غنائم باردة في أيدي الأعداء، كما وقع في البلاد الفلسطينية.

من لم تفده عبراً أيامه كان العمى أولى به من الهدى

ومن أخطاء العرب المميتة هذا الانقسام الذي لا يزال ملازماً لهم دون أي مبرر، أمام الأخطار الحادقة، مع أن الأحقاد تذهب عند الشدائد.

ومن أخطاء المسؤولين العرب غفلتهم العجيبة وإهمالهم العناية بمستقبل أبنائهم وتربية أجيالهم الجديدة، فرغم المخصصات الكبيرة، والأموال الطائلة، التي تنفق على التعليم، وإنشاء المدارس والجامعات، بدون خطة تربوية، ولا عناية ثقافية أو روحية، فهم يلقون بأولادهم وفلذات أكبادهم في المدارس الأجنبية، أو في أيدي المعلمين المتخرجين من المعاهد الأجنبية، والتابعين بطباعهم، والحاملين للمبادئ المستوردة من غربية أو شرقية، والمناقضة لعقائدنا ومبادئنا وثقافتنا، فهم يلقنون أبناءنا شيئاً من العلم ممزوجاً بالسم الزعاف، مع أن كل أمة واعية تعني بمستقبلها، تهتم قبل كل شيء بتثقيف أبنائها بالمبادئ الصحيحة والأخلاق الكريمة والعقائد السليمة، وتضع الشؤون الروحية والخلقية والوطنية في المرتبة الأولى، فالأمم بأخلاقها ورحم الله أحمد شوقي حيث يقول:

وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا

ومن أهم الأخطاء، فتح أبواب البلاد العربية المجاورة لفلسطين، لتسهيل هجرتهم منها، فإن الهيئة العربية العليا لفلسطين كانت شديدة الحرص على استبقاء الفلسطينيين