بجدية إذا لم تكن القلوب عامرة بالإيمان، والنفوس مفعمة بالتصميم وروح الفداء، فنحن لا ينتقصنا سبب من أسباب القوة والمنعة، ولكن الذي أودى بنا هو الفتور وروح الهزيمة.
ما الذي منع المسؤولين في البلاد العربية المعنية عن التعبئة الروحية والعسكرية وما تقتضي به من تجنيد وتدريب وتسليح، وعن الحصول على الطاقة الذرية كما حصل عليها اليهود الذين أصبحوا اليوم يحتلون الأمة العربية قاطبة ويهددونها بالطاقة الذرية؟ ألم يأمرنا ديننا الحنيف بأن نعد للأعداء ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم﴾.
ولماذا منع الفلسطينيون من التصدي للصهيونيين المعتدين، والاستمرار في مناجزتهم وردهم على أعقابهم خاسرين في المعارك التي تصدى لهم فيها المجاهدون الفلسطينيون من (جيش الجهاد المقدس) حتى اضطروا اليهود المحصورين في مدينة القدس، وهم لا يقلون عن مئة ألف نسمة، في شهر آذار ١٩٤٨، لرفع رايات التسليم وطلب تدخل قناصل الدول الأجنبية وفي مقدمتهم قنصل الولايات المتحدة الأمريكية العام، لرفع الحصار عنهم، حتى أعلن المندوب الأميركي في الأمم المتحدة في ١٩ آذار، عدول حكومته عن تأييد قرار التقسيم الصادر عام ١٩٤٧، واقترح بدلاً منه وضع فلسطين تحت وصاية دولية؟
ولماذا تبدل الموقف العسكري في فلسطين في أوائل شهر نيسان بسبب حرمان المجاهدين الفلسطينيين من الأسلحة والذخائر؟ ولماذا تركت (إسرائيل) تنمو وتزدهر خلال عشرين عاماً، ونمت ما استطاعت من قوة عسكرية دون أن يسمح لأحد بمقاومتها، وقد كانت قبل ذلك لا تملك شيئاً مذكوراً يعتد به من السلاح، ولم يكن لديها طائرات حربية ولا دبابات، ولا مدافع ميدان، وكل ما كان لديها في هذا المجال بعض طائرات التدريب ومدافع مورتز خفيفة.
وهل يحق لأمة واعية أن تتيح الفرصة خصماً لدوداً لها يتأهب ويتسلح على مهل، ويعد لنفسه كل أسباب القوة، وقد كانت قوة (الجهاد المقدس) الفلسطيني حينئذ تناهز الخمسة والعشرين ألف مقاتل، كما كان (الإخوان المسلمون) الذين تدربوا وأعدوا للمعركة عشرة آلاف مقاتل كما ذكر لي ذلك الشهيد الشيخ حسن البنا رحمه الله، وكما جاء في برقيته التي أرسلها إلى مجلس جامعة الدول العربية الذي انعقد في صوفر - لبنان عام ١٩٤٧.