مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 400

Normalized
transcript

واضرب مثلاً على هذا الاستخفاف والتهاون، حديثاً دار بيني وبين القائمقام محمد كامل الرحماني من كبار الضباط المصريين، فقد اجتمعت به في بيت اللواء أحمد فؤاد صادق باشا القائد العام للجيش المصري عام ١٩٤٩ (وكان الرحماني رئيس أركان حربه) فلما سمعني الرحماني أحذر من الخطر الصهيوني المحدق وأشدد على ضرورة المبادرة بصده قبل أن يستفحل، قال لي: ليس هنالك أي خطر من الصهيونيين في المستقبل القريب، لأن (إسرائيل) ابتلعت من الأراضي الفلسطينية ما لا تستطيع هضمه قبل انقضاء زمن طويل! فقلت له: أرجو أن لا تنخدعوا بمثل هذه الآراء، لأن الخطر لا يأتي من معدة (إسرائيل) فحسب، فهناك معدة اليهودية العالمية التي تستطيع أن تهضم أكثر مما تقدرون.

وعلى ذكر اللواء أحمد فؤاد صادق باشا، لقد سبق لي أن اجتمعت به مراراً في القاهرة، فوجدت فيه القائد الكفء والضابط الباسل والوطني الصادق، وقد كان قائد الجيش المصري في حرب فلسطين بعد اللواء المواوي.

٨ - ومن الخطط التي ضرت العرب ضرراً فادحاً، الخطة الشيطانية التي اتبعها الأعداء في بلبلة الأفكار، وتشتيت الآراء في البلاد العربية، وبث روح الخصومات الحزبية والاختلافات بين عناصر الأمة، فأحدثوا خصومات حادة مزقت الصفوف، وفرقت الكلمة حتى بين الآباء والأبناء، وأوجدت حرب الطبقات، وحرب الأجيال.

ومنها الحرب النفسية التي قام بها دعاة الأعداء من رجال المخابرات الأجنبية، وعملاء الصهيونية، فأوحوا إلى بعض ضعفاء النفوس ومرضى القلوب من العرب، بأن لا سبيل إلى التغلب على الأعداء ولا وسيلة لصد عدوانهم، لأنهم أعلم (بالتكنولوجيا)، ويجب علينا أن نتربص مدة جيلين أو ثلاثة أجيال إلى أن نبلغ مبلغهم من التكنولوجيا!. وهذا كلام سمعته بأذني من بعضهم، فأجبتهم: أين نسبة التكنولوجيا بين الجزائر وفرنسا، أو بين فيتنام وأمريكا؟!. وادحضت مزاعمهم، وما كانت هذه الحرب النفسية لتترك أثراً في الأمة التي تجد في قرآنها الكريم قوله تعالى... ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وقوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾، وقوله عز وجل: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون﴾، وغير ذلك كثير مما يقوي النفوس ويشحذ العزائم.

English
translation

As an example of this dismissal and negligence, I cite a conversation that took place between me and Lieutenant Colonel Muhammad Kamil al-Rahmani, one of the senior Egyptian officers. I met him at the home of Major General Ahmad Fuad Sadiq Pasha, commander-in-chief of the Egyptian Army, in 1949. (Al-Rahmani was his chief of staff.) When al-Rahmani heard me warning of the imminent Zionist danger and insisting on the need to move promptly to repel it before it grew worse, he said to me: “There is no danger from the Zionists in the near future, because Israel has swallowed so much of the Palestinian lands that it will not be able to digest it before a long time has passed!” I said to him: “Please do not be deceived by such views, because the danger does not come only from Israel’s stomach. There is also the stomach of world Jewry, which can digest more than you can imagine.”

Speaking of Major General Ahmad Fuad Sadiq Pasha, I had met him several times in Cairo and found him to be a capable commander, a brave officer, and a sincere patriot. He had been commander of the Egyptian Army in the Palestine war after Major General al-Mu’awi.

8. Among the plans that harmed the Arabs grievously was the diabolical plan followed by the enemies to confuse ideas, scatter opinions in the Arab countries, and spread a spirit of partisan hostility and discord among the elements of the nation. They created sharp conflicts that tore the ranks apart and divided the common word even between fathers and sons, producing class warfare and generational warfare.

Among these was the psychological warfare conducted by enemy propagandists from foreign intelligence officers and agents of Zionism. They suggested to some weak-willed and sick-hearted Arabs that there was no way to overcome the enemies or repel their aggression because the enemies were more knowledgeable about “technology,” and that we should wait for two or three generations until we reached their level of technology. I heard this from some of them with my own ears, and I replied: “What is the ratio of technology between Algeria and France, or between Vietnam and America?” I refuted their claims. This psychological warfare could not leave an effect on a nation that finds in its Noble Qur’an God’s words:

“Those to whom the people said, ‘The people have gathered against you, so fear them,’ but it only increased them in faith, and they said, ‘God is sufficient for us, and He is the best disposer of affairs,’”

and His words:

“Fight them. God will punish them by your hands, disgrace them, grant you victory over them, and heal the breasts of believing people,”

and His exalted words:

“Those who disbelieve spend their wealth to bar people from the path of God. They will spend it, then it will become a regret for them, and they will be overcome,”

and much else that strengthens souls and sharpens resolve.

Analysis

Page 400 opens section 8 with an anecdote about Egyptian underestimation of Zionist danger and a broad account of psychological warfare, followed by three Qur’anic citations. It documents the memoir’s religious and political argument for resistance; the conversation and strategic claims are source assertions.

Raw transcript

واضرب مثلاً على هذا الاستخفاف والتهاون، حديثاً دار بيني وبين القائمقام محمد كامل الرحماني من كبار الضباط المصريين، فقد اجتمعت به في بيت اللواء أحمد فؤاد صادق باشا القائد العام للجيش المصري عام ١٩٤٩ (وكان الرحماني رئيس أركان حربه) فلما سمعني الرحماني أحذر من الخطر الصهيوني المحدق وأشدد على ضرورة المبادرة بصده قبل أن يستفحل، قال لي: ليس هنالك أي خطر من الصهيونيين في المستقبل القريب، لأن (إسرائيل) ابتلعت من الأراضي الفلسطينية ما لا تستطيع هضمه قبل انقضاء زمن طويل! فقلت له: أرجو أن لا تنخدعوا بمثل هذه الآراء، لأن الخطر لا يأتي من معدة (إسرائيل) فحسب، فهناك معدة اليهودية العالمية التي تستطيع أن تهضم أكثر مما تقدرون.

وعلى ذكر اللواء أحمد فؤاد صادق باشا، لقد سبق لي أن اجتمعت به مراراً في القاهرة، فوجدت فيه القائد الكفء والضابط الباسل والوطني الصادق، وقد كان قائد الجيش المصري في حرب فلسطين بعد اللواء المواوي.

٨ - ومن الخطط التي ضرت العرب ضرراً فادحاً، الخطة الشيطانية التي اتبعها الأعداء في بلبلة الأفكار، وتشتيت الآراء في البلاد العربية، وبث روح الخصومات الحزبية والاختلافات بين عناصر الأمة، فأحدثوا خصومات حادة مزقت الصفوف، وفرقت الكلمة حتى بين الآباء والأبناء، وأوجدت حرب الطبقات، وحرب الأجيال.

ومنها الحرب النفسية التي قام بها دعاة الأعداء من رجال المخابرات الأجنبية، وعملاء الصهيونية، فأوحوا إلى بعض ضعفاء النفوس ومرضى القلوب من العرب، بأن لا سبيل إلى التغلب على الأعداء ولا وسيلة لصد عدوانهم، لأنهم أعلم (بالتكنولوجيا)، ويجب علينا أن نتربص مدة جيلين أو ثلاثة أجيال إلى أن نبلغ مبلغهم من التكنولوجيا!. وهذا كلام سمعته بأذني من بعضهم، فأجبتهم: أين نسبة التكنولوجيا بين الجزائر وفرنسا، أو بين فيتنام وأمريكا؟!. وادحضت مزاعمهم، وما كانت هذه الحرب النفسية لتترك أثراً في الأمة التي تجد في قرآنها الكريم قوله تعالى... ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وقوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾، وقوله عز وجل: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون﴾، وغير ذلك كثير مما يقوي النفوس ويشحذ العزائم.