واضرب مثلاً على هذا الاستخفاف والتهاون، حديثاً دار بيني وبين القائمقام محمد كامل الرحماني من كبار الضباط المصريين، فقد اجتمعت به في بيت اللواء أحمد فؤاد صادق باشا القائد العام للجيش المصري عام ١٩٤٩ (وكان الرحماني رئيس أركان حربه) فلما سمعني الرحماني أحذر من الخطر الصهيوني المحدق وأشدد على ضرورة المبادرة بصده قبل أن يستفحل، قال لي: ليس هنالك أي خطر من الصهيونيين في المستقبل القريب، لأن (إسرائيل) ابتلعت من الأراضي الفلسطينية ما لا تستطيع هضمه قبل انقضاء زمن طويل! فقلت له: أرجو أن لا تنخدعوا بمثل هذه الآراء، لأن الخطر لا يأتي من معدة (إسرائيل) فحسب، فهناك معدة اليهودية العالمية التي تستطيع أن تهضم أكثر مما تقدرون.
وعلى ذكر اللواء أحمد فؤاد صادق باشا، لقد سبق لي أن اجتمعت به مراراً في القاهرة، فوجدت فيه القائد الكفء والضابط الباسل والوطني الصادق، وقد كان قائد الجيش المصري في حرب فلسطين بعد اللواء المواوي.
٨ - ومن الخطط التي ضرت العرب ضرراً فادحاً، الخطة الشيطانية التي اتبعها الأعداء في بلبلة الأفكار، وتشتيت الآراء في البلاد العربية، وبث روح الخصومات الحزبية والاختلافات بين عناصر الأمة، فأحدثوا خصومات حادة مزقت الصفوف، وفرقت الكلمة حتى بين الآباء والأبناء، وأوجدت حرب الطبقات، وحرب الأجيال.
ومنها الحرب النفسية التي قام بها دعاة الأعداء من رجال المخابرات الأجنبية، وعملاء الصهيونية، فأوحوا إلى بعض ضعفاء النفوس ومرضى القلوب من العرب، بأن لا سبيل إلى التغلب على الأعداء ولا وسيلة لصد عدوانهم، لأنهم أعلم (بالتكنولوجيا)، ويجب علينا أن نتربص مدة جيلين أو ثلاثة أجيال إلى أن نبلغ مبلغهم من التكنولوجيا!. وهذا كلام سمعته بأذني من بعضهم، فأجبتهم: أين نسبة التكنولوجيا بين الجزائر وفرنسا، أو بين فيتنام وأمريكا؟!. وادحضت مزاعمهم، وما كانت هذه الحرب النفسية لتترك أثراً في الأمة التي تجد في قرآنها الكريم قوله تعالى... ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وقوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾، وقوله عز وجل: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون﴾، وغير ذلك كثير مما يقوي النفوس ويشحذ العزائم.