ومن مخادعاتهم دعوتهم الناس للقبول بالأمر الواقع!. وكيف يقبل المظلوم الظلم الواقع عليه ويستخذي له! فالواجب عليه عقلاً وشرعاً أن يقاوم الظلم ولا ينام على الضيم، والأمم التي تحترم نفسها وتعرف مصالحها لا تخضع للأمر الواقع إذا كان يؤذيها ويقضي بهضم حقوقها ومصالحها.
ومما أساء إلى الأمة العربية تلك الخطة الشيطانية التي وضعت للقضاء على رجال القضية العربية فكان من نتائجها القضاء على رجال هذه القضية، في كثير من الأقطار العربية، وإبعاد الرعيل الأول من رجالها ومن حذا حذوهم، ممن نشأوا مع القضية ورضعوا لبان الإخلاص وصدق الوطنية، ووطنوا نفوسهم على الاستماتة في سبيلها، فأبعدوهم عن الحكم والقيادة، وشردوهم وأخلوا البلاد منهم، واحتل مراكزهم في بعض البلاد موظفون أو دخلاء على القضية، وليس لهم أية سابقة أو علاقة بها، أو غيرة عليها، مع أن رجال الصهيونية جميعاً من أمثال هرتسل، وايزمن، وبن غوريون، وشرتوك، وغولدمان، وجابوتنسكي، واشكول، وكيش، وايدر، وروتنبرغ، وبن زفي، وغولداماير، ودايان، والون وغيرهم ممن نشأوا مع القضية الصهيونية وتعاقبوا على سيادتها وزعامتها ظلوا في مراكزهم يعملون لقضيتهم، مع أنها قضية عدوانية باطلة، وهم مبطلون معتدون، ولم يأبهوا بكراسي الحكم ومناصب الوزارة.
سردت بعض أخطاء العرب الخطيرة، والمؤامرة الشيطانية الغادرة التي خططتها الصهيونية الجريمة بالتواطؤ مع الدول الاستعمارية المعادية للعرب والمسلمين والضالعة مع الصهيونية واليهود، فأصابت قضية فلسطين في الصميم، واستغلت غفلة الأمة العربية وضعفها وخلافاتها وعبثها وهزلها، دون أن أقصد لوماً أو تثريباً، بل توخيت منها دعوة أمتنا العربية إلى العبرة واليقظة والهدى والرشد لتستطيع المبادرة إلى تدارك ما فات وإصلاح ما فسد من أمورنا واستنقاذ ما اغتصب من أوطاننا.
وصفوة القول أن هذه المعركة مع الصهيونية هي معركة حاسمة بين فريقين مختلفين في العقيدة والقومية واللغة والمصالح وفي كل شيء، وأن عدونا عنيد ماكر يعمد إلى الحيلة والدهاء، ويؤلب علينا الخصوم، ويخادعنا بالتعايش السلمي والصلح، وهو يوقن أن لا سبيل إلى ذلك، بل لا يريده في قرارة نفسه، وإنما هي سياسة مرحلية خادعة منه لأنه مصمم على إبادة أمتنا ومحق ديننا واستئصال جذورنا، وقد نظم خطته وحزم أمره فهو يسير قدماً خطوة فخطوة، ومرحلة فمرحلة، ولا يقتصر خطره على فلسطين وشعبها، بل يتناول العرب والمسلمين عامة.