اجمعوا الكلمة، ووحدوا الصفوف، وتعاونوا جميعاً على الجهاد والفداء ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم(١).
انا لا ندعو إلى نعرة طائفية، ولا إلى اختلاف، فنحن أهل فلسطين ضربنا المثل لكل البلاد العربية بالتعاون الوثيق بين المواطنين من مسلمين ومسيحيين، وأن كبار أهل الرأي والفكر والوطنية من مواطنينا المسيحيين يقدرون دعم المسلمين لقضية فلسطين حق قدره ويحضون عليه بأقوالهم وأقلامهم.
وإني أذكر لهذه المناسبة أن الصديق العلامة المرحوم الأستاذ فارس الخوري دعاني في صيف ١٩٥٦ إلى مأدبة غداء أعدها في بلودان تكريماً للدكتور محمد ناصر رئيس وزراء إندونيسيا السابق، فلما حضر الدكتور محمد ناصر ومعه بعض الشخصيات الاندونيسية وبينهم سفيرا إندونيسيا في كل من سورية ولبنان، وكانوا جميعاً يعرفون اللغة العربية استغرب الأستاذ فارس من ذلك وسألهم كيف تعلمتم العربية؟ فقالوا تعلمناها في بلادنا لأن من واجبات المسلمين الدينية أن يتعلموا العربية فهي لغة القرآن، والعبادة، وأن في بلادنا ألوفاً من المدارس التي تعلمها فضلاً عن مدارس الدولة، فقال الأستاذ فارس عندئذ: إن مئات الملايين من مسلمي العالم يتعلمون العربية وينشرون ثقافتها ويحجون إلى بلادها ويدعمون سياستها واقتصادها! إن هذا لربح عظيم، ولو كان العرب واعين وحريصين على مصالحهم لأفادوا فوائد عظيمة من العالم الإسلامي، ولا شك في أن مصلحة العرب، المسلمين منهم والمسيحيين، تقضي عليهم ببذل قصارى جهودهم لتوثيق الروابط الأخوية بينهم وبين مسلمي العالم.
✓ ذكرت فيما سبق من هذه المذكرات، إن قضية فلسطين هي قضية دينية قبل أن تكون قضية سياسية أو أي شيء آخر، وأن اليهود لم يقبلوا إنشاء وطن لهم إلا في فلسطين حيث كان «الهيكل» لأسباب دينية محضة، وقد ورد في مذكرات كل من تيودور هرتسل زعيم الصهيونية الأول، وحاييم وايزمن أول «رئيس» لجمهورية إسرائيل، عن وقائع المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بال «سويسرا» عام ١٨٩٧، أن اقتراحاً عرض على المؤتمر بإنشاء وطن يهودي في أوغندا ومداغشقر بدلاً من فلسطين التي كانت حينئذ جزءاً من الدولة العثمانية، فرفض المؤتمرون ذلك رفضاً باتاً وقالوا أن اليهود لا يتجمعون إلا حول الهيكل في أورشليم، وكذلك رفضوا عرضاً آخر من روسيا القيصرية بأن يتخذوا من منطقة بيروبيجان وطناً لهم يأوون إليه مع أنها أوسع من فلسطين وأخصب.