وبعد انفضاض المؤتمر توجه هرتسل إلى استانبول حاملاً رسالة المؤتمر إلى المرحوم السلطان عبد الحميد الثاني، وكان في صحبته زعيم اليهود في تركيا «قره صوه» الذي أصبح فيما بعد نائب سلانيك في مجلس النواب العثماني، فعرض هرتسل على السلطان عروضاً سخية مغرية كتعهد اليهود بتسديد «الديون العمومية» أي جميع ما على الدولة العثمانية من قروض ضخمة، وتقديم قروض وفيرة للدولة بشروط سهلة لدعم اقتصادها وتنميته، ودفع مبالغ كبيرة سنوياً لقاء منحهم التوطن في فلسطين، ثم عرض مبلغاً ضخماً يقدمه اليهود للسلطان شخصياً!.
لكن السلطان رفض هذا كله وكان جوابه لهم: إني أنصح لكم أن تحتفظوا بهذه الأموال لأنفسكم، فإن جميع أموال اليهود لا تساوي في نظري حفنة واحدة من تراب فلسطين المقدسة، فلما سقط في أيدي هرتسل وقره صوه ورفاقهم عادوا خائبين.
لكن هرتسل ورفاقه استمروا في محاولاتهم ودفعوا كثيراً من الوسطاء للتأثير على السلطان، وانتهزوا فرصة زيارة قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني القدس عام ١٨٩٨ فبادر هرتسل إليه في القدس مستعطفاً ليتوسط لدى السلطان لتلبية التماس المؤتمر الصهيوني، لكن السلطان ظل مصراً على موقفه الشريف، ولم يلبث أن أمر باتخاذ الوسائل الكفيلة بمنع اليهود من الهجرة أو التسلل إلى فلسطين، ووضعت الدولة نظام «الجواز الأحمر» الخاص بكل يهودي يدخل فلسطين سائحاً أو زائراً حيث تحجز الدولة جواز سفره يعطى بدلاً منه جوازاً أحمر مؤقتاً إلى حين خروجه من البلاد فيسترد عندئذ جوازه الأصلي.
وقد أوغر موقف السلطان الشريف هذا صدور اليهود فحقدوا عليه كثيراً، وجهدوا في خصومته وتشويه سمعته ومقاومته بكل وسائل الدعاية، مستخدمين في ذلك الماسونية وغيرها من منظماتهم السرية، وتضافرت منظماتهم مع الدول الاستعمارية على مناوأته خاصة وهدم كيان الدولة العثمانية بصورة عامة، حتى أنهم أرسلوا إليه رسائل تهديد، فرد عليهم بقوله: إني ما دمت حياً فلن أفرط في ذرة من تراب الأرض المقدسة «وقد ورد هذا النص في مذكرات هرتسل»، وقاموا يحرضون عليه في الداخل والخارج باذلين في سبيل ذلك أموالاً طائلة، واتخذوا من مدينة سلانيك المركز الرئيسي لدسائسهم ومؤامراتهم، لأنها تضم أوفر عدد من اليهود في الدولة العثمانية ولأنها من ناحية أخرى تضم عدداً كبيراً من «الدونمة»، وهي طائفة من اليهود تظاهر أفرادها بالإسلام وانتحلوه وتغلغلوا في مناصب الدولة وتمكن بعضهم من بلوغ أعلى المناصب مثل «جاويد» الذي كان وزيراً للمالية، فكان منهم وزراء ونواب وأساتذة وصحفيون وتجار...