مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 411

Normalized
transcript

وبعد انفضاض المؤتمر توجه هرتسل إلى استانبول حاملاً رسالة المؤتمر إلى المرحوم السلطان عبد الحميد الثاني، وكان في صحبته زعيم اليهود في تركيا «قره صوه» الذي أصبح فيما بعد نائب سلانيك في مجلس النواب العثماني، فعرض هرتسل على السلطان عروضاً سخية مغرية كتعهد اليهود بتسديد «الديون العمومية» أي جميع ما على الدولة العثمانية من قروض ضخمة، وتقديم قروض وفيرة للدولة بشروط سهلة لدعم اقتصادها وتنميته، ودفع مبالغ كبيرة سنوياً لقاء منحهم التوطن في فلسطين، ثم عرض مبلغاً ضخماً يقدمه اليهود للسلطان شخصياً!.

لكن السلطان رفض هذا كله وكان جوابه لهم: إني أنصح لكم أن تحتفظوا بهذه الأموال لأنفسكم، فإن جميع أموال اليهود لا تساوي في نظري حفنة واحدة من تراب فلسطين المقدسة، فلما سقط في أيدي هرتسل وقره صوه ورفاقهم عادوا خائبين.

لكن هرتسل ورفاقه استمروا في محاولاتهم ودفعوا كثيراً من الوسطاء للتأثير على السلطان، وانتهزوا فرصة زيارة قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني القدس عام ١٨٩٨ فبادر هرتسل إليه في القدس مستعطفاً ليتوسط لدى السلطان لتلبية التماس المؤتمر الصهيوني، لكن السلطان ظل مصراً على موقفه الشريف، ولم يلبث أن أمر باتخاذ الوسائل الكفيلة بمنع اليهود من الهجرة أو التسلل إلى فلسطين، ووضعت الدولة نظام «الجواز الأحمر» الخاص بكل يهودي يدخل فلسطين سائحاً أو زائراً حيث تحجز الدولة جواز سفره يعطى بدلاً منه جوازاً أحمر مؤقتاً إلى حين خروجه من البلاد فيسترد عندئذ جوازه الأصلي.

وقد أوغر موقف السلطان الشريف هذا صدور اليهود فحقدوا عليه كثيراً، وجهدوا في خصومته وتشويه سمعته ومقاومته بكل وسائل الدعاية، مستخدمين في ذلك الماسونية وغيرها من منظماتهم السرية، وتضافرت منظماتهم مع الدول الاستعمارية على مناوأته خاصة وهدم كيان الدولة العثمانية بصورة عامة، حتى أنهم أرسلوا إليه رسائل تهديد، فرد عليهم بقوله: إني ما دمت حياً فلن أفرط في ذرة من تراب الأرض المقدسة «وقد ورد هذا النص في مذكرات هرتسل»، وقاموا يحرضون عليه في الداخل والخارج باذلين في سبيل ذلك أموالاً طائلة، واتخذوا من مدينة سلانيك المركز الرئيسي لدسائسهم ومؤامراتهم، لأنها تضم أوفر عدد من اليهود في الدولة العثمانية ولأنها من ناحية أخرى تضم عدداً كبيراً من «الدونمة»، وهي طائفة من اليهود تظاهر أفرادها بالإسلام وانتحلوه وتغلغلوا في مناصب الدولة وتمكن بعضهم من بلوغ أعلى المناصب مثل «جاويد» الذي كان وزيراً للمالية، فكان منهم وزراء ونواب وأساتذة وصحفيون وتجار...

English
translation

After the congress dispersed, Herzl went to Istanbul carrying the congress’s letter to the late Sultan Abdülhamid II. He was accompanied by the Jewish leader in Turkey, “Carasso,” who later became Salonica’s deputy in the Ottoman parliament. Herzl presented the sultan with generous and tempting offers: the Jews would undertake to pay the “public debt,” meaning all the Ottoman state’s enormous loans; provide abundant loans to the state on easy terms to support and develop its economy; pay large sums annually in return for being granted settlement in Palestine; and provide a huge sum to the sultan personally.

But the sultan rejected all of this. His answer to them was: “I advise you to keep this money for yourselves, for all the money of the Jews is not worth, in my eyes, a handful of the soil of holy Palestine.” When Herzl, Carasso, and their companions found themselves defeated, they returned disappointed.

Herzl and his companions continued their efforts and paid many intermediaries to influence the sultan. They took advantage of the visit of Kaiser Wilhelm II of Germany to Jerusalem in 1898. Herzl hastened to him in Jerusalem, appealing to him to mediate with the sultan so that he would meet the Zionist Congress’s request. But the sultan remained firm in his honorable position and soon ordered measures to prevent Jews from immigrating or infiltrating into Palestine. The state established a “red passport” system for every Jew entering Palestine as a tourist or visitor: the state would hold the person’s passport and give him a temporary red passport until he left the country, at which point he would recover his original passport.

This honorable position of the sultan filled the Jews with resentment. They hated him and worked against him, defaming him and resisting him through every form of propaganda, using Freemasonry and other secret organizations. Their organizations joined with the colonial powers to oppose him in particular and destroy the Ottoman state generally. They even sent him threatening letters, and he replied: “As long as I am alive, I will not give up a particle of the soil of the holy land.” (This text appears in Herzl’s memoirs.) They incited against him inside and outside the state, spending vast sums for that purpose, and made Salonica the main center of their intrigues and conspiracies because it contained the largest number of Jews in the Ottoman state and, on the other hand, a large number of “Dönme,” a sect of Jews whose members pretended to be Muslims and adopted Islam, penetrated state offices, and some reached the highest positions, such as “Cavid,” who was minister of finance. Among them were ministers, deputies, professors, journalists, and merchants

Analysis

Page 411 continues the account of the First Zionist Congress and presents a narrative of Herzl’s offers to Sultan Abdülhamid II, Ottoman restrictions on Jewish entry, and alleged Jewish opposition through secret organizations and Dönme networks. The page ends with a list of occupations continuing onto page 412. These claims require independent historical verification.

Raw transcript

وبعد انفضاض المؤتمر توجه هرتسل إلى استانبول حاملاً رسالة المؤتمر إلى المرحوم السلطان عبد الحميد الثاني، وكان في صحبته زعيم اليهود في تركيا «قره صوه» الذي أصبح فيما بعد نائب سلانيك في مجلس النواب العثماني، فعرض هرتسل على السلطان عروضاً سخية مغرية كتعهد اليهود بتسديد «الديون العمومية» أي جميع ما على الدولة العثمانية من قروض ضخمة، وتقديم قروض وفيرة للدولة بشروط سهلة لدعم اقتصادها وتنميته، ودفع مبالغ كبيرة سنوياً لقاء منحهم التوطن في فلسطين، ثم عرض مبلغاً ضخماً يقدمه اليهود للسلطان شخصياً!.

لكن السلطان رفض هذا كله وكان جوابه لهم: إني أنصح لكم أن تحتفظوا بهذه الأموال لأنفسكم، فإن جميع أموال اليهود لا تساوي في نظري حفنة واحدة من تراب فلسطين المقدسة، فلما سقط في أيدي هرتسل وقره صوه ورفاقهم عادوا خائبين.

لكن هرتسل ورفاقه استمروا في محاولاتهم ودفعوا كثيراً من الوسطاء للتأثير على السلطان، وانتهزوا فرصة زيارة قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني القدس عام ١٨٩٨ فبادر هرتسل إليه في القدس مستعطفاً ليتوسط لدى السلطان لتلبية التماس المؤتمر الصهيوني، لكن السلطان ظل مصراً على موقفه الشريف، ولم يلبث أن أمر باتخاذ الوسائل الكفيلة بمنع اليهود من الهجرة أو التسلل إلى فلسطين، ووضعت الدولة نظام «الجواز الأحمر» الخاص بكل يهودي يدخل فلسطين سائحاً أو زائراً حيث تحجز الدولة جواز سفره يعطى بدلاً منه جوازاً أحمر مؤقتاً إلى حين خروجه من البلاد فيسترد عندئذ جوازه الأصلي.

وقد أوغر موقف السلطان الشريف هذا صدور اليهود فحقدوا عليه كثيراً، وجهدوا في خصومته وتشويه سمعته ومقاومته بكل وسائل الدعاية، مستخدمين في ذلك الماسونية وغيرها من منظماتهم السرية، وتضافرت منظماتهم مع الدول الاستعمارية على مناوأته خاصة وهدم كيان الدولة العثمانية بصورة عامة، حتى أنهم أرسلوا إليه رسائل تهديد، فرد عليهم بقوله: إني ما دمت حياً فلن أفرط في ذرة من تراب الأرض المقدسة «وقد ورد هذا النص في مذكرات هرتسل»، وقاموا يحرضون عليه في الداخل والخارج باذلين في سبيل ذلك أموالاً طائلة، واتخذوا من مدينة سلانيك المركز الرئيسي لدسائسهم ومؤامراتهم، لأنها تضم أوفر عدد من اليهود في الدولة العثمانية ولأنها من ناحية أخرى تضم عدداً كبيراً من «الدونمة»، وهي طائفة من اليهود تظاهر أفرادها بالإسلام وانتحلوه وتغلغلوا في مناصب الدولة وتمكن بعضهم من بلوغ أعلى المناصب مثل «جاويد» الذي كان وزيراً للمالية، فكان منهم وزراء ونواب وأساتذة وصحفيون وتجار...