... إلى أن تمكنوا من حمل بعض وحدات الجيش العثماني، ولاسيما التي كانت مرابطة في سلانيك، على خلع السلطان في ٣١ مارس عام ١٩٠٩.
وما هو جدير بالذكر في هذا الشأن أن رئيس مجلس المبعوثان «مجلس النواب» أحمد رضا بك كلف مع وفد من النواب بإبلاغ السلطان قرار المجلس بخلعه، فاندس بينهم قره صوه اليهودي ليذكر السلطان، بمقابلته السابقة مع هرتسل، فلما قابل الوفد السلطان في قصر «يلدز» خاطبه أحمد رضا قائلاً: يؤسفني يا صاحب الجلالة أن أبلغك أن الأمة قررت عزلك، فأجابه السلطان: يا بني! إن خليفة المسلمين لا يعزل بل يخلع. فقال أحمد رضا إني آسف فإن الأمة قد خلعتك، فقال السلطان: إذا كانت الأمة الإسلامية خلعت خليفتها فما دخل اليهودي القذر في ذلك؟ وأشار بإصبعه إلى قره صوه.. فاضطرب اليهودي حين أشار إليه السلطان وتراجع متقهقراً.
وقد أشار إلى هذا الحدث المحزن المرحوم أحمد شوقي في قصيدته حيث يقول:
دخلوا عليه يأمرون في رب السرير...
قالوا اعتزل، قال إعتزلت الحكم لله القدير
سموه «يلدز» والأفول نهاية النجم النيرا!
شوه اليهود سمعة السلطان عبد الحميد ونعتوه بالسلطان الأحمر المتعطش إلى الدماء وبالرجعي وبأنه كان يبغض الشبان المتقدمين الجامعيين ويأمر باعتقالهم وتكبيلهم بأصفاد الحديد ويلقي بهم في بحر مرمرة!؟ وكان الشاعر المرحوم حافظ إبراهيم من انطلت عليهم هذه الفرية فقال في ذلك قصيدة مطلعها: «كيف أصبحت يا ابن عبد المجيد».
مشبع الموت من لحوم البرايا ورجيع الجنود تحت البنود
وهذه كبوة من حافظ إبراهيم الذي سبق له أن مدح السلطان بقصائد كثيرة كان آخرها قصيدته في افتتاح الخط الحديدي الحجازي في المدينة المنورة يوم الاحتفال بعيد جلوس السلطان التي مطلعها:
أثنى الجميع عليك والفرمان ومشى يعيد جلوسك الثقلان
وما كان بين قصيدة حافظ هذه التي بالغ فيها بالثناء على السلطان، وبين قصيدته التي اتهمه فيها بإشباع الموت من لحوم البرايا، إلا قليل من الزمن؟!.