مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 426

Normalized
transcript

فلسطين من شأنه أن يثير الرأي العام على العرب الذين يساعدون الفلسطينيين في موقفهم، ثم تابع الإنكليز اعتراضهم وضغطهم على الحكومات العربية حتى حملوها على تبديل الخطة العسكرية التي تقررت في عاليه وعلى إدخال جيوشها إلى فلسطين.

وهكذا كانت تلك المذكرة وما تبعها من ضغط سياسي السبب الرئيسي في قلب الأوضاع وهدم الركن الأساسي في خطة الدفاع عن فلسطين.

ولم تلبث بعد ذلك أن ظهرت سياسة إقصاء الفلسطينيين عن ميادين المعركة ومنع الأسلحة والأموال عنهم، بل ومهاجمة قوات الجنرال غلوب لقوة الجهاد المقدس في منطقة رام الله وتشتيتها والاستيلاء على سلاحها وعتادها ولوازمها.

ومن دواعي الأسف الشديد أن الفريق طه الهاشمي الذي استدعته الحكومة السورية وعهدت إليه أمر الإشراف على التطوع والتدريب والتجهيز، قد شارك في خطة إقصاء الفلسطينيين عن ميدان المعركة، إذ قام بتسريح الألف شاب الذين استقدمناهم من فلسطين للتدريب في معسكر قطنة، فلما بلغني الخبر قابلت الفريق طه وسألته عن سبب تسريح أولئك الشبان، فقال أنهم متمردون ولا يصلحون للجندية، فأبديت له استغرابي من أن يكونوا كلهم متمردين وقلت له إنك عسكري كبير وتعلم قوانين الجندية، والجندي المتمرد يعاقب ولا يعقل أن يكون كل هؤلاء الشبان متمردين، فإذا تمرد منهم بضعة أفراد فليعاقبوا وفقاً للنظام العسكري، ولا يجوز أن تؤخذ الأكثرية البريئة بجريرة فرد أو أفراد متمردين. ولا شك في أن موقف الفريق طه كان نتيجة للضغط البريطاني.

وبرغم سياسة الإقصاء والحرمان هذه فقد ظلت قوات الجهاد المقدس الذي ألفته الهيئة العربية العليا وظلت تمده بالأسلحة والأموال تقوم بأعمال رائعة منذ أواخر عام ١٩٤٧، إلى ما بعد انسحاب القوات المصرية من قطاع الخليل - بيت لحم وانسحاب القوات العراقية من قطاع جنين - طولكرم - كما سنبينه فيما بعد.

ولتبرير إقصاء الفلسطينيين عن ميدان المعركة، قامت أجهزة المخابرات البريطانية واليهودية، وغيرها من الدوائر الموالية لها، بدعايات واسعة مضللة، وإشاعات كاذبة ومثيرة عن الفلسطينيين تلصق بهم تهماً فظيعة كتجسسهم على الجيوش العربية وبيعهم جنودها وضباطها لليهود الأعداء، ما لا أثر له من الحقيقة ولا يعقل أن يقترفه الفلسطينيون الذين هم أعظم الناس مصيبة باليهود والمستعمرين وأشدهم بغضاً لهم وحقداً عليهم.

English
translation

against the Jews would provoke world public opinion against the Arabs who help the Palestinians in their position. The English then continued their objections and pressure on the Arab governments until they forced them to change the military plan decided at Aley and to bring their armies into Palestine.

Thus that memorandum and the political pressure that followed it were the main cause of overturning the situation and destroying the basic pillar of the plan to defend Palestine.

Soon afterward, a policy of excluding the Palestinians from the battlefields and denying them weapons and money appeared. The forces of General Glubb even attacked the Holy War Army in the Ramallah area, scattering it and seizing its weapons, equipment, and supplies.

It is a matter of profound regret that General Taha al-Hashimi, whom the Syrian government summoned and entrusted with supervising volunteering, training, and provisioning, participated in the plan to exclude the Palestinians from the battlefield. He discharged the thousand young men whom we had brought from Palestine to train at the Qatana camp. When the news reached me, I met General Taha and asked him why he had discharged those young men. He said that they were rebels and unfit for military service. I expressed my astonishment that all of them could be rebels and told him: You are a senior military man and know the laws of military service. A rebellious soldier is punished, and it is inconceivable that all these young men were rebels. If a few of them rebelled, they should be punished according to military regulations. The innocent majority must not be held responsible for the offense of one or several rebellious individuals. There is no doubt that General Taha’s position resulted from British pressure.

Despite this policy of exclusion and deprivation, the Holy War Army, formed by the Arab Higher Committee and supplied by it with weapons and money, continued to carry out remarkable operations from late 1947 until after the withdrawal of the Egyptian forces from the Hebron-Bethlehem sector and the withdrawal of the Iraqi forces from the Jenin-Tulkarm sector, as we will explain later.

To justify excluding the Palestinians from the battlefield, British and Jewish intelligence services, along with other circles loyal to them, conducted extensive misleading propaganda and circulated false and inflammatory rumors about the Palestinians. They attached terrible accusations to them, such as spying on the Arab armies and selling their soldiers and officers to the enemy Jews, allegations with no basis in fact and which Palestinians could not plausibly commit, since they were the people most afflicted by the Jews and colonists and the most intensely hateful and resentful toward them.

Analysis

Page 426 completes the British memorandum allegation from page 425 and attributes the change in Arab military plans to English political pressure. The memoir then alleges systematic exclusion of Palestinian forces, including an attack by General Glubb’s forces and the discharge of trainees at Qatana by General Taha al-Hashimi. It closes by presenting British and Jewish intelligence as sources of propaganda against Palestinians. These are the memoirist’s claims about responsibility and motive, not independently verified facts.

Raw transcript

فلسطين من شأنه أن يثير الرأي العام على العرب الذين يساعدون الفلسطينيين في موقفهم، ثم تابع الإنكليز اعتراضهم وضغطهم على الحكومات العربية حتى حملوها على تبديل الخطة العسكرية التي تقررت في عاليه وعلى إدخال جيوشها إلى فلسطين.

وهكذا كانت تلك المذكرة وما تبعها من ضغط سياسي السبب الرئيسي في قلب الأوضاع وهدم الركن الأساسي في خطة الدفاع عن فلسطين.

ولم تلبث بعد ذلك أن ظهرت سياسة إقصاء الفلسطينيين عن ميادين المعركة ومنع الأسلحة والأموال عنهم، بل ومهاجمة قوات الجنرال غلوب لقوة الجهاد المقدس في منطقة رام الله وتشتيتها والاستيلاء على سلاحها وعتادها ولوازمها.

ومن دواعي الأسف الشديد أن الفريق طه الهاشمي الذي استدعته الحكومة السورية وعهدت إليه أمر الإشراف على التطوع والتدريب والتجهيز، قد شارك في خطة إقصاء الفلسطينيين عن ميدان المعركة، إذ قام بتسريح الألف شاب الذين استقدمناهم من فلسطين للتدريب في معسكر قطنة، فلما بلغني الخبر قابلت الفريق طه وسألته عن سبب تسريح أولئك الشبان، فقال أنهم متمردون ولا يصلحون للجندية، فأبديت له استغرابي من أن يكونوا كلهم متمردين وقلت له إنك عسكري كبير وتعلم قوانين الجندية، والجندي المتمرد يعاقب ولا يعقل أن يكون كل هؤلاء الشبان متمردين، فإذا تمرد منهم بضعة أفراد فليعاقبوا وفقاً للنظام العسكري، ولا يجوز أن تؤخذ الأكثرية البريئة بجريرة فرد أو أفراد متمردين. ولا شك في أن موقف الفريق طه كان نتيجة للضغط البريطاني.

وبرغم سياسة الإقصاء والحرمان هذه فقد ظلت قوات الجهاد المقدس الذي ألفته الهيئة العربية العليا وظلت تمده بالأسلحة والأموال تقوم بأعمال رائعة منذ أواخر عام ١٩٤٧، إلى ما بعد انسحاب القوات المصرية من قطاع الخليل - بيت لحم وانسحاب القوات العراقية من قطاع جنين - طولكرم - كما سنبينه فيما بعد.

ولتبرير إقصاء الفلسطينيين عن ميدان المعركة، قامت أجهزة المخابرات البريطانية واليهودية، وغيرها من الدوائر الموالية لها، بدعايات واسعة مضللة، وإشاعات كاذبة ومثيرة عن الفلسطينيين تلصق بهم تهماً فظيعة كتجسسهم على الجيوش العربية وبيعهم جنودها وضباطها لليهود الأعداء، ما لا أثر له من الحقيقة ولا يعقل أن يقترفه الفلسطينيون الذين هم أعظم الناس مصيبة باليهود والمستعمرين وأشدهم بغضاً لهم وحقداً عليهم.