فلسطين من شأنه أن يثير الرأي العام على العرب الذين يساعدون الفلسطينيين في موقفهم، ثم تابع الإنكليز اعتراضهم وضغطهم على الحكومات العربية حتى حملوها على تبديل الخطة العسكرية التي تقررت في عاليه وعلى إدخال جيوشها إلى فلسطين.
وهكذا كانت تلك المذكرة وما تبعها من ضغط سياسي السبب الرئيسي في قلب الأوضاع وهدم الركن الأساسي في خطة الدفاع عن فلسطين.
ولم تلبث بعد ذلك أن ظهرت سياسة إقصاء الفلسطينيين عن ميادين المعركة ومنع الأسلحة والأموال عنهم، بل ومهاجمة قوات الجنرال غلوب لقوة الجهاد المقدس في منطقة رام الله وتشتيتها والاستيلاء على سلاحها وعتادها ولوازمها.
ومن دواعي الأسف الشديد أن الفريق طه الهاشمي الذي استدعته الحكومة السورية وعهدت إليه أمر الإشراف على التطوع والتدريب والتجهيز، قد شارك في خطة إقصاء الفلسطينيين عن ميدان المعركة، إذ قام بتسريح الألف شاب الذين استقدمناهم من فلسطين للتدريب في معسكر قطنة، فلما بلغني الخبر قابلت الفريق طه وسألته عن سبب تسريح أولئك الشبان، فقال أنهم متمردون ولا يصلحون للجندية، فأبديت له استغرابي من أن يكونوا كلهم متمردين وقلت له إنك عسكري كبير وتعلم قوانين الجندية، والجندي المتمرد يعاقب ولا يعقل أن يكون كل هؤلاء الشبان متمردين، فإذا تمرد منهم بضعة أفراد فليعاقبوا وفقاً للنظام العسكري، ولا يجوز أن تؤخذ الأكثرية البريئة بجريرة فرد أو أفراد متمردين. ولا شك في أن موقف الفريق طه كان نتيجة للضغط البريطاني.
وبرغم سياسة الإقصاء والحرمان هذه فقد ظلت قوات الجهاد المقدس الذي ألفته الهيئة العربية العليا وظلت تمده بالأسلحة والأموال تقوم بأعمال رائعة منذ أواخر عام ١٩٤٧، إلى ما بعد انسحاب القوات المصرية من قطاع الخليل - بيت لحم وانسحاب القوات العراقية من قطاع جنين - طولكرم - كما سنبينه فيما بعد.
ولتبرير إقصاء الفلسطينيين عن ميدان المعركة، قامت أجهزة المخابرات البريطانية واليهودية، وغيرها من الدوائر الموالية لها، بدعايات واسعة مضللة، وإشاعات كاذبة ومثيرة عن الفلسطينيين تلصق بهم تهماً فظيعة كتجسسهم على الجيوش العربية وبيعهم جنودها وضباطها لليهود الأعداء، ما لا أثر له من الحقيقة ولا يعقل أن يقترفه الفلسطينيون الذين هم أعظم الناس مصيبة باليهود والمستعمرين وأشدهم بغضاً لهم وحقداً عليهم.