مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 437

Normalized
transcript

وتوجهوا جميعاً في طائرة عسكرية ألمانية، كان يقودها طيارون ألمان، إلى منطقة الغور قرب مدينة أريحا، وكان ذلك في صيف عام ١٩٤٤ في أدق ظروف الحرب العالمية الثانية وأشدها خطراً وحرجاً، لكن الطائرة العسكرية ضلت طريقها، ولم يحسن الطيار اختيار المكان المناسب، فهبط حسن سلامة وذو الكفل والضباط الألمان بالمظلات، لكن حسن سلامة أصيب بكسر في ساقه، إلا أنه استطاع النجاة من وجه السلطات البريطانية، وانتقل من الغور إلى منطقة القدس، ثم إلى حيفا، ومنها إلى سورية ولبنان، مختفياً عن أعين الجواسيس ورجال المخابرات الذين كانوا يبحثون عنه. وكتب الله له السلامة حتى كان إعلان الثورة مجدداً في فلسطين وأخر عام ١٩٤٧، بعدما أعادت الهيئة العربية العليا تأليف جيش الجهاد المقدس وقيادته، فكان حسن سلامة أحد أركانها، وتولى قيادة المنطقة الوسطى من فلسطين، التي تضم مدن يافا واللد والرملة والخليل وما جاورها، وقاد سلسلة من المعارك الضارية التي أوقعت الذعر في قلوب اليهود في مستعمراتهم المحصنة، حتى في تل أبيب نفسها، مما اضطر كثيراً منهم للالتجاء إلى السفن الراسية في مينائها.

وكان من أهم تلك المعارك معركة هاتكفا التي حدثت مساء ٨/١٢/١٩٤٧ وسجل فيها المجاهدون الفلسطينيون صفحة مجيدة في تاريخ العمليات الحربية العربية في عهد الانتداب البريطاني، ففي تلك الليلة قامت كتلة من شبان القرى الواقعة ما بين مدينة اللد وتل أبيب، لا يزيد عددها على مئة مسلح، باقتحام خطوط دفاع العدو عن مستعمرة هاتكفا، التي يبلغ عدد سكانها ثلاثين ألفاً، من طرفها الشرقي إلى طرفها الغربي، وهي خطوط الدفاع اليهودية الأمامية لمدينة تل أبيب، وكانت ليلة عظيمة في نتائجها ونتائجها، قذف فيها المجاهدون بأنفسهم إلى قلب ذلك الحصن اليهودي على سكانه وعلى خمسة آلاف من الجنود اليهود في جواره، تحت نيران المدافع الرشاشة والأسلحة الأوتوماتيكية، فاضطر معظمهم للهرب وهم من الهاغاناه ومنظمتي الأرغون وشتيرن، تحت ضغط الهجوم العربي الصاعق، وركضاً وهرباً من فوق الأسطح، لاجئين إلى كل بيت التي اتخذت القوات اليهودية المسلحة فيها خطة الدفاع عنها، وظل المجاهدون العرب يهاجمون تل أبيب حتى منتصف الليل، يحوسون خلالها ناشرين فيها الذعر والرعب، وكان لتلك الواقعة صداها العظيم وروعتها البالغة في نفوس اليهود ذعراً وانتحاراً، وفي نفوس العرب فخراً واعتزازاً، وزادهم اعتقاداً بأن الفلسطينيين قادرون على التغلب على اليهود إذا ما توفرت لهم الأسلحة والمساعدات من إخوانهم في الدول المجاورة، ومن اللجنة العسكرية لجامعة الدول العربية...

English
translation

They all traveled in a German military aircraft piloted by Germans to the Jordan Valley near Jericho. This was in the summer of 1944, during the most delicate, dangerous, and critical conditions of the Second World War. But the military aircraft lost its way, and the pilot failed to choose a suitable landing place. Hasan Salama, Dhul-Kifl, and the German officers parachuted down, but Hasan Salama suffered a broken leg. He nevertheless managed to escape the British authorities and moved from the Jordan Valley to the Jerusalem area, then to Haifa, and from there to Syria and Lebanon, hiding from the spies and intelligence officers searching for him. God granted him safety until the revolt was renewed in Palestine at the end of 1947, after the Arab Higher Committee reconstituted and led the Holy War Army. Hasan Salama became one of its pillars and took command of the central region of Palestine, including Jaffa, Lydda, Ramle, Hebron, and their surroundings. He led a series of fierce battles that spread terror among the Jews in their fortified settlements, even in Tel Aviv itself, forcing many of them to seek refuge on ships moored in its harbor.

Among the most important of these battles was the Hatkva battle, which took place on the evening of 8 December 1947. In it, the Palestinian fighters recorded a glorious page in the history of Arab military operations during the English Mandate. That night, a group of young men from the villages between Lydda and Tel Aviv, no more than one hundred armed men, broke through the enemy’s defensive lines around the Hatkva settlement, whose population numbered 30,000, from its eastern end to its western end. These were the forward Jewish defense lines of Tel Aviv. It was a night of great results. The fighters threw themselves into the heart of that Jewish stronghold, against its inhabitants and the 5,000 Jewish soldiers in its vicinity, under machine-gun and automatic-weapons fire. Most of them, from the Haganah and the Irgun and Stern organizations, were forced to flee under the pressure of the shattering Arab attack, running and escaping over rooftops and taking refuge in every house where the armed Jewish forces had established defensive positions. The Arab fighters continued attacking Tel Aviv until midnight, moving through it and spreading panic and terror. The event had a great resonance and profound effect in the Jews’ hearts, producing terror and suicide, and in the Arabs’ hearts, pride and exaltation. It strengthened their belief that the Palestinians could overcome the Jews if they received weapons and aid from their brothers in neighboring states and from the Arab League’s Military Committee...

Analysis

Page 437 recounts Hasan Salama’s movement through the Jordan Valley, Jerusalem, Haifa, Syria, and Lebanon, then presents the Hatkva attack as a major Arab victory that caused Jewish terror and flight. The account attributes strategic and psychological effects to the fighters and ends with an open continuation into page 438. These operational, casualty, and psychological claims remain source assertions.

Raw transcript

وتوجهوا جميعاً في طائرة عسكرية ألمانية، كان يقودها طيارون ألمان، إلى منطقة الغور قرب مدينة أريحا، وكان ذلك في صيف عام ١٩٤٤ في أدق ظروف الحرب العالمية الثانية وأشدها خطراً وحرجاً، لكن الطائرة العسكرية ضلت طريقها، ولم يحسن الطيار اختيار المكان المناسب، فهبط حسن سلامة وذو الكفل والضباط الألمان بالمظلات، لكن حسن سلامة أصيب بكسر في ساقه، إلا أنه استطاع النجاة من وجه السلطات البريطانية، وانتقل من الغور إلى منطقة القدس، ثم إلى حيفا، ومنها إلى سورية ولبنان، مختفياً عن أعين الجواسيس ورجال المخابرات الذين كانوا يبحثون عنه. وكتب الله له السلامة حتى كان إعلان الثورة مجدداً في فلسطين وأخر عام ١٩٤٧، بعدما أعادت الهيئة العربية العليا تأليف جيش الجهاد المقدس وقيادته، فكان حسن سلامة أحد أركانها، وتولى قيادة المنطقة الوسطى من فلسطين، التي تضم مدن يافا واللد والرملة والخليل وما جاورها، وقاد سلسلة من المعارك الضارية التي أوقعت الذعر في قلوب اليهود في مستعمراتهم المحصنة، حتى في تل أبيب نفسها، مما اضطر كثيراً منهم للالتجاء إلى السفن الراسية في مينائها.

وكان من أهم تلك المعارك معركة هاتكفا التي حدثت مساء ٨/١٢/١٩٤٧ وسجل فيها المجاهدون الفلسطينيون صفحة مجيدة في تاريخ العمليات الحربية العربية في عهد الانتداب البريطاني، ففي تلك الليلة قامت كتلة من شبان القرى الواقعة ما بين مدينة اللد وتل أبيب، لا يزيد عددها على مئة مسلح، باقتحام خطوط دفاع العدو عن مستعمرة هاتكفا، التي يبلغ عدد سكانها ثلاثين ألفاً، من طرفها الشرقي إلى طرفها الغربي، وهي خطوط الدفاع اليهودية الأمامية لمدينة تل أبيب، وكانت ليلة عظيمة في نتائجها ونتائجها، قذف فيها المجاهدون بأنفسهم إلى قلب ذلك الحصن اليهودي على سكانه وعلى خمسة آلاف من الجنود اليهود في جواره، تحت نيران المدافع الرشاشة والأسلحة الأوتوماتيكية، فاضطر معظمهم للهرب وهم من الهاغاناه ومنظمتي الأرغون وشتيرن، تحت ضغط الهجوم العربي الصاعق، وركضاً وهرباً من فوق الأسطح، لاجئين إلى كل بيت التي اتخذت القوات اليهودية المسلحة فيها خطة الدفاع عنها، وظل المجاهدون العرب يهاجمون تل أبيب حتى منتصف الليل، يحوسون خلالها ناشرين فيها الذعر والرعب، وكان لتلك الواقعة صداها العظيم وروعتها البالغة في نفوس اليهود ذعراً وانتحاراً، وفي نفوس العرب فخراً واعتزازاً، وزادهم اعتقاداً بأن الفلسطينيين قادرون على التغلب على اليهود إذا ما توفرت لهم الأسلحة والمساعدات من إخوانهم في الدول المجاورة، ومن اللجنة العسكرية لجامعة الدول العربية...