مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 453

Normalized
transcript

وجعلت تتصرف فيها تصرفاً مطلقاً، واستولت على ما كان لحكومة فلسطين (البريطانية) من مرافق ومؤسسات وادارات عامة، وبذلك استطاعوا العمل بحرية تامة لجلب الأسلحة والمدربين على القتال من شبان اليهود وغيرهم من الضباط والجنود المرتزقة من خارج فلسطين، وقد اعترف رئيس الوزارة البريطانية مستر اتلي بأن القوات البريطانية لن تدخر وسعاً لمنع القوات العربية من دخول فلسطين.

وهذا الموقف البريطاني المتحيز ساعد اليهود على اتخاذ مواقف مماثلة في اقتراف الذبائح والفظائع في المدن التي يسكنها عرب ويهود، مثل طبرية ويافا وحيفا، رغم استماتة أهلها العرب في سبيل حمايتها وحسن بلائهم في الدفاع عنها، وزاد الموقف خطورة ما أعلنته السلطات البريطانية من أن كل تدخل عسكري قبل ١٥ أيار (مايو)، وهو اليوم الذي حددته لانسحابها من فلسطين ستقابله بالقوة، وأنها ستظل مسؤولة عن النظام والأمن حتى ذلك التاريخ، لكن الواقع كان خلاف ذلك، إذ أخذت السلطات البريطانية في المدن المختلفة تخلي الأحياء العربية وتترك أهلها فريسة للاعتداءات اليهودية، ثم كانت الخدعة اللئيمة الفظيعة التي اقترفتها تلك السلطات في حيفا، إذ أكدت للمسؤولين العرب من أهلها أنها ستظل قابضة على ناصية الأمر في منطقة حيفا خاصة حتى شهر آب (اغسطس)، ثم لم يلبث الإنكليز أن فاجأوا العرب بانسحابهم بعد ٢٤ ساعة من ذلك التأكيد، وتركوهم عرضة لهجوم يهودي مدبر في أقبح مؤامرة إنكليزية يهودية شهدها تاريخ فلسطين، وسيرد تفصيل ذلك في مكانه من هذه المذكرات.

وكانت حكومة فلسطين (البريطانية) قد منعت لجنة التقسيم، التي أوفدتها الأمم المتحدة إلى فلسطين، من دخول فلسطين قبل أول شهر أيار (مايو) لتقوم بالمهمة المعينة لها وهي تولي الادارة في فلسطين، ولم تسمح إلا لبعض موظفيها بالدخول للقيام باتصالات أولية، ولم تقبل أن تستخدم القوات البريطانية في تنفيذ التقسيم، فأثار ذلك احتجاج لجنة التقسيم وكانت بريطانيا تحاول الاتفاق سراً مع الولايات المتحدة للحصول من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يمنحها الوصاية أو تمديد انتدابها على فلسطين، لكن ممثل الاتحاد السوفياتي في مجلس الأمن ندد بهذه المحاولة، وبذلك أحبطت.

وكان مجلس الأمن قد استأنف بحث قضية فلسطين مجدداً في شباط (فبراير) ١٩٤٨، إبان اشتداد الصراع بين العرب واليهود، حتى استحال على لجنة التقسيم أن تقوم بمهمتها، وقرر رئيسها في بيانه في مجلس الأمن استحالة القيام بعمل مفيد في

English
translation

and began administering them with complete authority. It took over the facilities, institutions, and public administrations that had belonged to the British Palestine government. In this way, they were able to work freely to bring in weapons and combat trainers, young Jewish men, and other officers, soldiers, and mercenaries from outside Palestine. The British prime minister, Mr. Attlee, acknowledged that British forces would spare no effort to prevent Arab forces from entering Palestine.

This biased British position helped the Jews adopt similar positions in committing massacres and atrocities in cities inhabited by Arabs and Jews, such as Tiberias, Jaffa, and Haifa, despite the Arabs’ desperate efforts to protect them and their strong performance in defending them. The danger was increased by the British authorities’ announcement that any military intervention before 15 May, the date set for their withdrawal from Palestine, would be met with force and that they would remain responsible for order and security until then. In reality it was otherwise. The British authorities began evacuating Arab neighborhoods in the various cities and leaving their inhabitants prey to Jewish attacks. Then came the vile and terrible deception perpetrated by those authorities in Haifa. They assured Arab officials there that they would retain control of the Haifa area in particular until August. Yet the English surprised the Arabs by withdrawing 24 hours after that assurance, leaving them exposed to a planned Jewish attack in the ugliest English-Jewish conspiracy witnessed in the history of Palestine. I will give details of this later in these memoirs.

The British Palestine government had prevented the Partition Commission sent by the United Nations to Palestine from entering Palestine before the beginning of May so that it could carry out its assigned task of assuming the administration of Palestine. It allowed only some of its officials to enter for preliminary contacts. It refused to use British forces to implement partition. This provoked the Partition Commission’s protest. Britain was trying to reach a secret agreement with the United States to obtain from the Security Council and the UN General Assembly a decision granting it trusteeship or extending its Mandate over Palestine, but the Soviet representative on the Security Council denounced this attempt and it was thwarted.

The Security Council resumed consideration of the Palestine question in February 1948, as the conflict between Arabs and Jews intensified, until it became impossible for the Partition Commission to carry out its task. Its chairman declared in a statement to the Security Council that it was impossible to do useful work under the dangerous conditions prevailing in Palestine and that the only solution was to abandon partition or send an international army to implement it by force.

Analysis

Page 453 continues the British withdrawal and Jewish Agency administration narrative, describes alleged abandonment of Arab neighborhoods and the Haifa withdrawal, and recounts British and Soviet positions on the Partition Commission and Security Council. The page ends with a statement that the conflict made partition impracticable, continuing on page 454.

Raw transcript

وجعلت تتصرف فيها تصرفاً مطلقاً، واستولت على ما كان لحكومة فلسطين (البريطانية) من مرافق ومؤسسات وادارات عامة، وبذلك استطاعوا العمل بحرية تامة لجلب الأسلحة والمدربين على القتال من شبان اليهود وغيرهم من الضباط والجنود المرتزقة من خارج فلسطين، وقد اعترف رئيس الوزارة البريطانية مستر اتلي بأن القوات البريطانية لن تدخر وسعاً لمنع القوات العربية من دخول فلسطين.

وهذا الموقف البريطاني المتحيز ساعد اليهود على اتخاذ مواقف مماثلة في اقتراف الذبائح والفظائع في المدن التي يسكنها عرب ويهود، مثل طبرية ويافا وحيفا، رغم استماتة أهلها العرب في سبيل حمايتها وحسن بلائهم في الدفاع عنها، وزاد الموقف خطورة ما أعلنته السلطات البريطانية من أن كل تدخل عسكري قبل ١٥ أيار (مايو)، وهو اليوم الذي حددته لانسحابها من فلسطين ستقابله بالقوة، وأنها ستظل مسؤولة عن النظام والأمن حتى ذلك التاريخ، لكن الواقع كان خلاف ذلك، إذ أخذت السلطات البريطانية في المدن المختلفة تخلي الأحياء العربية وتترك أهلها فريسة للاعتداءات اليهودية، ثم كانت الخدعة اللئيمة الفظيعة التي اقترفتها تلك السلطات في حيفا، إذ أكدت للمسؤولين العرب من أهلها أنها ستظل قابضة على ناصية الأمر في منطقة حيفا خاصة حتى شهر آب (اغسطس)، ثم لم يلبث الإنكليز أن فاجأوا العرب بانسحابهم بعد ٢٤ ساعة من ذلك التأكيد، وتركوهم عرضة لهجوم يهودي مدبر في أقبح مؤامرة إنكليزية يهودية شهدها تاريخ فلسطين، وسيرد تفصيل ذلك في مكانه من هذه المذكرات.

وكانت حكومة فلسطين (البريطانية) قد منعت لجنة التقسيم، التي أوفدتها الأمم المتحدة إلى فلسطين، من دخول فلسطين قبل أول شهر أيار (مايو) لتقوم بالمهمة المعينة لها وهي تولي الادارة في فلسطين، ولم تسمح إلا لبعض موظفيها بالدخول للقيام باتصالات أولية، ولم تقبل أن تستخدم القوات البريطانية في تنفيذ التقسيم، فأثار ذلك احتجاج لجنة التقسيم وكانت بريطانيا تحاول الاتفاق سراً مع الولايات المتحدة للحصول من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يمنحها الوصاية أو تمديد انتدابها على فلسطين، لكن ممثل الاتحاد السوفياتي في مجلس الأمن ندد بهذه المحاولة، وبذلك أحبطت.

وكان مجلس الأمن قد استأنف بحث قضية فلسطين مجدداً في شباط (فبراير) ١٩٤٨، إبان اشتداد الصراع بين العرب واليهود، حتى استحال على لجنة التقسيم أن تقوم بمهمتها، وقرر رئيسها في بيانه في مجلس الأمن استحالة القيام بعمل مفيد في