وجعلت تتصرف فيها تصرفاً مطلقاً، واستولت على ما كان لحكومة فلسطين (البريطانية) من مرافق ومؤسسات وادارات عامة، وبذلك استطاعوا العمل بحرية تامة لجلب الأسلحة والمدربين على القتال من شبان اليهود وغيرهم من الضباط والجنود المرتزقة من خارج فلسطين، وقد اعترف رئيس الوزارة البريطانية مستر اتلي بأن القوات البريطانية لن تدخر وسعاً لمنع القوات العربية من دخول فلسطين.
وهذا الموقف البريطاني المتحيز ساعد اليهود على اتخاذ مواقف مماثلة في اقتراف الذبائح والفظائع في المدن التي يسكنها عرب ويهود، مثل طبرية ويافا وحيفا، رغم استماتة أهلها العرب في سبيل حمايتها وحسن بلائهم في الدفاع عنها، وزاد الموقف خطورة ما أعلنته السلطات البريطانية من أن كل تدخل عسكري قبل ١٥ أيار (مايو)، وهو اليوم الذي حددته لانسحابها من فلسطين ستقابله بالقوة، وأنها ستظل مسؤولة عن النظام والأمن حتى ذلك التاريخ، لكن الواقع كان خلاف ذلك، إذ أخذت السلطات البريطانية في المدن المختلفة تخلي الأحياء العربية وتترك أهلها فريسة للاعتداءات اليهودية، ثم كانت الخدعة اللئيمة الفظيعة التي اقترفتها تلك السلطات في حيفا، إذ أكدت للمسؤولين العرب من أهلها أنها ستظل قابضة على ناصية الأمر في منطقة حيفا خاصة حتى شهر آب (اغسطس)، ثم لم يلبث الإنكليز أن فاجأوا العرب بانسحابهم بعد ٢٤ ساعة من ذلك التأكيد، وتركوهم عرضة لهجوم يهودي مدبر في أقبح مؤامرة إنكليزية يهودية شهدها تاريخ فلسطين، وسيرد تفصيل ذلك في مكانه من هذه المذكرات.
وكانت حكومة فلسطين (البريطانية) قد منعت لجنة التقسيم، التي أوفدتها الأمم المتحدة إلى فلسطين، من دخول فلسطين قبل أول شهر أيار (مايو) لتقوم بالمهمة المعينة لها وهي تولي الادارة في فلسطين، ولم تسمح إلا لبعض موظفيها بالدخول للقيام باتصالات أولية، ولم تقبل أن تستخدم القوات البريطانية في تنفيذ التقسيم، فأثار ذلك احتجاج لجنة التقسيم وكانت بريطانيا تحاول الاتفاق سراً مع الولايات المتحدة للحصول من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يمنحها الوصاية أو تمديد انتدابها على فلسطين، لكن ممثل الاتحاد السوفياتي في مجلس الأمن ندد بهذه المحاولة، وبذلك أحبطت.
وكان مجلس الأمن قد استأنف بحث قضية فلسطين مجدداً في شباط (فبراير) ١٩٤٨، إبان اشتداد الصراع بين العرب واليهود، حتى استحال على لجنة التقسيم أن تقوم بمهمتها، وقرر رئيسها في بيانه في مجلس الأمن استحالة القيام بعمل مفيد في