ورافقت ذلك دعاية استعمارية وصهيونية واسعة تحض الناس على هجرة موقتة إلى البلاد المجاورة ريثما تصل الجيوش العربية إلى فلسطين، فتصد المعتدين وتعيد المهاجرين إلى منازلهم آمنين كما وعد المسؤولون من حكام الدول العربية وقادتها حينئذ في خطبهم وتصريحاتهم!!
وكان من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات العربية المجاورة أن فتحت بلادها لتسهيل هجرة الفلسطينيين إليها. ولما كنا شديدي الحرص على بقاء الفلسطينيين في بلادهم مهما كانت الظروف واشتدت الأخطار، فقد بادرت الهيئة العربية العليا لفلسطين بنشر بيان في شهر شباط (فبراير) ١٩٤٨ على الشعب الفلسطيني، دعته فيه للبقاء في بلاده وأن لا يجلو عنها لأي سبب، وأن يدافع عنها حتى النفس الأخير، وكذلك أرسلت الهيئة العربية بياناً إلى جميع اللجان القومية، وهي الهيئات الوطنية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة المدن والقرى، وإلى قيادة جيش الجهاد المقدس وقواد المناطق، للعمل على منع الأهلين من مغادرة البلاد، إلا الطلاب المسافرين للالتحاق بالمدارس والجامعات، والمرضى المضطرين للمعالجة الضرورية في الخارج.
وأذكر مثلاً على ذلك أن سيادة المطران جاورجيوس حكيم مطران الروم الكاثوليك في حيفا وعكا وسائر الجليل (غبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم فيما بعد) لما رأى اشتداد المعركة بين العرب واليهود في حيفا أبرق إلي بصفتي رئيساً للهيئة العربية العليا طالباً السماح له بنقل أطفال طائفته إلى بيروت، فأجبته برقياً بأن لا ينقلهم إلى خارج فلسطين وإذا كان لا بد من النقل فليكن إلى مدن فلسطين الداخلية الخالية من اليهود.
وكان رئيس اللجنة القومية بحيفا السيد رشيد الحاج إبراهيم قد بعث إلي برسالة في ٣ آذار (مارس) ١٩٤٨ يخبرني فيها بأن سيادة المطران حكيم قام بمساع لدى السلطات السورية واللبنانية لإيواء العائلات النازحة عن بعض مدن فلسطين وتهيئة ما يلزمها من طعام ومقام، فأبرقت إلى السيد رشيد بأن الهجرة ضارة جداً بصالح البلاد، ثم أتبعت البرقية برسالة بتاريخ ٣ آذار/مارس جاء فيها «... إننا نقدر العاطفة التي حملت سيادة المطران على القيام بهذا المسعى الإنساني، كما نقدر العطف الكريم الذي حمل كلاً من رئيس الجمهورية السورية ورئيس الجمهورية اللبنانية على تلبية طلب سيادته ولكننا نخشى أن يكون نزوح العائلات عن فلسطين إلى خارجها سبباً في إضعاف معنويات أمتنا المجاهدة، ولذلك نرى أن الأفضل السعي لنقل ما تدعو