مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 470

Normalized
transcript

ورافقت ذلك دعاية استعمارية وصهيونية واسعة تحض الناس على هجرة موقتة إلى البلاد المجاورة ريثما تصل الجيوش العربية إلى فلسطين، فتصد المعتدين وتعيد المهاجرين إلى منازلهم آمنين كما وعد المسؤولون من حكام الدول العربية وقادتها حينئذ في خطبهم وتصريحاتهم!!

وكان من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات العربية المجاورة أن فتحت بلادها لتسهيل هجرة الفلسطينيين إليها. ولما كنا شديدي الحرص على بقاء الفلسطينيين في بلادهم مهما كانت الظروف واشتدت الأخطار، فقد بادرت الهيئة العربية العليا لفلسطين بنشر بيان في شهر شباط (فبراير) ١٩٤٨ على الشعب الفلسطيني، دعته فيه للبقاء في بلاده وأن لا يجلو عنها لأي سبب، وأن يدافع عنها حتى النفس الأخير، وكذلك أرسلت الهيئة العربية بياناً إلى جميع اللجان القومية، وهي الهيئات الوطنية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة المدن والقرى، وإلى قيادة جيش الجهاد المقدس وقواد المناطق، للعمل على منع الأهلين من مغادرة البلاد، إلا الطلاب المسافرين للالتحاق بالمدارس والجامعات، والمرضى المضطرين للمعالجة الضرورية في الخارج.

وأذكر مثلاً على ذلك أن سيادة المطران جاورجيوس حكيم مطران الروم الكاثوليك في حيفا وعكا وسائر الجليل (غبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم فيما بعد) لما رأى اشتداد المعركة بين العرب واليهود في حيفا أبرق إلي بصفتي رئيساً للهيئة العربية العليا طالباً السماح له بنقل أطفال طائفته إلى بيروت، فأجبته برقياً بأن لا ينقلهم إلى خارج فلسطين وإذا كان لا بد من النقل فليكن إلى مدن فلسطين الداخلية الخالية من اليهود.

وكان رئيس اللجنة القومية بحيفا السيد رشيد الحاج إبراهيم قد بعث إلي برسالة في ٣ آذار (مارس) ١٩٤٨ يخبرني فيها بأن سيادة المطران حكيم قام بمساع لدى السلطات السورية واللبنانية لإيواء العائلات النازحة عن بعض مدن فلسطين وتهيئة ما يلزمها من طعام ومقام، فأبرقت إلى السيد رشيد بأن الهجرة ضارة جداً بصالح البلاد، ثم أتبعت البرقية برسالة بتاريخ ٣ آذار/مارس جاء فيها «... إننا نقدر العاطفة التي حملت سيادة المطران على القيام بهذا المسعى الإنساني، كما نقدر العطف الكريم الذي حمل كلاً من رئيس الجمهورية السورية ورئيس الجمهورية اللبنانية على تلبية طلب سيادته ولكننا نخشى أن يكون نزوح العائلات عن فلسطين إلى خارجها سبباً في إضعاف معنويات أمتنا المجاهدة، ولذلك نرى أن الأفضل السعي لنقل ما تدعو

English
translation

This was accompanied by extensive colonial and Zionist propaganda urging people to migrate temporarily to neighboring countries until the Arab armies reached Palestine, repelled the aggressors, and returned the migrants safely to their homes, as the officials among the rulers and leaders of the Arab states promised at the time in their speeches and statements.

One of the greatest mistakes made by the neighboring Arab governments was opening their countries to facilitate the migration of Palestinians there. Because we were deeply concerned that Palestinians remain in their country whatever the circumstances and however great the dangers, the Arab Higher Committee of Palestine promptly published a statement in February 1948 calling on the Palestinian people to remain in their country, not leave it for any reason, and defend it to the last breath. The Committee also sent a statement to all the National Committees, the national bodies representing the Palestinian people in every city and village, and to the command of the Holy War Army and regional commanders, instructing them to prevent residents from leaving the country, except students traveling to attend schools and universities and patients who needed essential medical treatment abroad.

For example, His Eminence Archbishop George Hakim, the Greek Catholic archbishop of Haifa, Acre, and all Galilee, later Patriarch Maximos V Hakim, saw the battle between Arabs and Jews in Haifa intensify. He telegraphed me, in my capacity as head of the Arab Higher Committee, asking permission to transfer the children of his community to Beirut. I replied by telegram that he should not transfer them outside Palestine and that, if transfer was unavoidable, it should be to Palestinian towns in the interior free of Jews.

Mr. Rashid al-Hajj Ibrahim, head of the National Committee in Haifa, sent me a letter on 3 March 1948 informing me that Archbishop Hakim had worked with the Syrian and Lebanese authorities to shelter families displaced from some Palestinian cities and provide them with food and lodging. I telegraphed Mr. Rashid that migration was very harmful to the country’s interests, then followed the telegram with a letter dated 3 March, which stated: “...We appreciate the feeling that moved His Eminence the Archbishop to undertake this humanitarian effort, and we appreciate the gracious sympathy that moved the presidents of the Syrian and Lebanese republics to answer his request. But we fear that the displacement of families from Palestine outside it may weaken the morale of our struggling nation. Therefore we believe it is better to seek to move whatever families must urgently be moved from places of extreme danger to safe places in the inland Palestinian cities and villages. In this way the country will preserve its good reputation and morale will remain strong and sound...”

(The text of this letter and an image of the telegram to the National Committee follows:)

Analysis

Page 470 attributes Palestinian displacement to colonial and Zionist propaganda and records Arab Higher Committee instructions to prevent emigration except for education and essential medical treatment. It preserves correspondence with Archbishop George Hakim and the Committee’s preference for internal relocation. These directives show an anti-emigration policy, while the surrounding claims about propaganda and Jewish aims remain source assertions.

Raw transcript

ورافقت ذلك دعاية استعمارية وصهيونية واسعة تحض الناس على هجرة موقتة إلى البلاد المجاورة ريثما تصل الجيوش العربية إلى فلسطين، فتصد المعتدين وتعيد المهاجرين إلى منازلهم آمنين كما وعد المسؤولون من حكام الدول العربية وقادتها حينئذ في خطبهم وتصريحاتهم!!

وكان من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات العربية المجاورة أن فتحت بلادها لتسهيل هجرة الفلسطينيين إليها. ولما كنا شديدي الحرص على بقاء الفلسطينيين في بلادهم مهما كانت الظروف واشتدت الأخطار، فقد بادرت الهيئة العربية العليا لفلسطين بنشر بيان في شهر شباط (فبراير) ١٩٤٨ على الشعب الفلسطيني، دعته فيه للبقاء في بلاده وأن لا يجلو عنها لأي سبب، وأن يدافع عنها حتى النفس الأخير، وكذلك أرسلت الهيئة العربية بياناً إلى جميع اللجان القومية، وهي الهيئات الوطنية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة المدن والقرى، وإلى قيادة جيش الجهاد المقدس وقواد المناطق، للعمل على منع الأهلين من مغادرة البلاد، إلا الطلاب المسافرين للالتحاق بالمدارس والجامعات، والمرضى المضطرين للمعالجة الضرورية في الخارج.

وأذكر مثلاً على ذلك أن سيادة المطران جاورجيوس حكيم مطران الروم الكاثوليك في حيفا وعكا وسائر الجليل (غبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم فيما بعد) لما رأى اشتداد المعركة بين العرب واليهود في حيفا أبرق إلي بصفتي رئيساً للهيئة العربية العليا طالباً السماح له بنقل أطفال طائفته إلى بيروت، فأجبته برقياً بأن لا ينقلهم إلى خارج فلسطين وإذا كان لا بد من النقل فليكن إلى مدن فلسطين الداخلية الخالية من اليهود.

وكان رئيس اللجنة القومية بحيفا السيد رشيد الحاج إبراهيم قد بعث إلي برسالة في ٣ آذار (مارس) ١٩٤٨ يخبرني فيها بأن سيادة المطران حكيم قام بمساع لدى السلطات السورية واللبنانية لإيواء العائلات النازحة عن بعض مدن فلسطين وتهيئة ما يلزمها من طعام ومقام، فأبرقت إلى السيد رشيد بأن الهجرة ضارة جداً بصالح البلاد، ثم أتبعت البرقية برسالة بتاريخ ٣ آذار/مارس جاء فيها «... إننا نقدر العاطفة التي حملت سيادة المطران على القيام بهذا المسعى الإنساني، كما نقدر العطف الكريم الذي حمل كلاً من رئيس الجمهورية السورية ورئيس الجمهورية اللبنانية على تلبية طلب سيادته ولكننا نخشى أن يكون نزوح العائلات عن فلسطين إلى خارجها سبباً في إضعاف معنويات أمتنا المجاهدة، ولذلك نرى أن الأفضل السعي لنقل ما تدعو