وأخيراً استولى العدو على تل نابليون بما حشد من قوة كبيرة مدعومة بالآليات فتحولت المعارك إلى مواقع عين الست ومقبرة الأرثوذكس فمقبرة اللاتين فعين البقرة فشارع عكا - بيروت فشوارع عكا الجديدة، شارعاً شارعاً وبيتاً بيتاً، وشن العدو هجوماً بحرياً بزوارق مصفحة فكان يرد على أعقابه دون أن تتمكن زوارقه من الوصول إلى ميناء عكا.
استمرت هذه المعركة ثمانية أيام بلياليها حتى كادت ذخائر المجاهدين تنفد، وكانوا يتوقعون دخول الجيوش العربية يوم ١٥ أيار لدعمهم في عكا التي ما زالت صامدة. وحل يوم ١٧ أيار لكن النجدة لم تأت لا من الجيوش العربية ولا من جيش الإنقاذ، وضاعف العدو قوة هجومه فاضطر المجاهدون للانسحاب من ناحية الشمال الغربي على محاذاة الشاطئ وهو الطريق الوحيد الذي لم يتمكن العدو من تطويقه.
وفي ١٨ أيار ١٩٤٨ وفي منتصف نهار ذلك اليوم سقطت عكا التاريخية في يد العدو، ومن عكا انسحب المجاهدون نحو قريتي كفر ياسيف ويركا والقرى الجبلية الأخرى منتظرين وصول الجيوش العربية ليكونوا أدلاء لها في مقدمتها لكن هذا لم يحدث.
روى عدد من أهل عكا الذين تخلفوا في المدينة القديمة وشاهدوا دخول العدو إليها بعد سقوط عكا الجديدة، أن العدو لم يصدق أن المقاومة التي قوبل بها في عكا كانت صادرة عن مئة وخمسين مقاتلاً فقد كان يقدرهم بألفي مقاتل، وأكد هؤلاء الرواة أن خسائر العدو كانت فادحة في البر والبحر وتقدر بخمسمائة وكانت جثث القتلى تشاهد في البحر لعدة أيام وهي طافية على سطح الماء وعلى الشاطئ الشرقي.
ولما دخلت قوات العدو المدينة القديمة أوسعت أهلها ضرباً وتعذيباً وقتلاً وسجنت نحو ألف رجل منهم رهن التحقيق، ونهبت المؤن من الحوانيت ومحتويات المنازل ونقلتها بسيارات الشحن إلى المستعمرات اليهودية القريبة من خليج عكا.
ومن البيوت المنسوفة منزل وجيه المرحوم أحمد العكي الذي تبرع بسخاء لشراء الأسلحة للمجاهدين، ونسفت كذلك منزل المجاهد السيد موسى النجمي أمين سر اللجنة القومية والمسؤول عن الحرس الوطني ومدير مكتب مقاطعة البضائع اليهودية لمنطقة عكا، وعما وجده العدو في منزل السيد النجمي قبل نسفه صندوقاً خشبياً كبيراً يحتوي على كمية من الكمامات الواقية من الغازات السامة كانت الهيئة العربية العليا قد أرسلتها بواسطة مكتبها في بيروت لإيصالها إلى القائد الشهيد