مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 483

Normalized
transcript

وأضاف أنه لقلة وسائل الحماية في عكا يخشى أن ينكث اليهود بوعودهم فيعمدوا إلى مهاجمة عكا خلال ذهابهم إلى مستعمراتهم أو إيابهم منها، كما أنه يخشى أن يستغل اليهود الهدنة فيزرعوا الألغام في الطرق وعلى الحدود.

عكا ذات الحصون المنيعة، والشهرة التاريخية، التي صمدت لهجمات جيش نابليون وصدته عنها، ببسالة نادرة ودفاع مستميت، والتي اضطرته، وهو القائد الشهير الذي طبقت شهرته الآفاق، للانسحاب فاشلاً مقهوراً حتى قال المؤرخون: إن نابليون مات وفي نفسه شيء من عكا.. عكا هذه سقطت بثمن بخس في أيدي الأعداء الصهيونيين، كما سقطت المدن الفلسطينية واحدة إثر الأخرى، بسبب تهاون بعض المسؤولين، الذين انتهرعوا زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها، وتولوا شؤونها، ثم لم يلبثوا أن ألقوا السلاح وولوا مدبرين أمام شراذم الصهيونيين.

لقد أحبطت عكا في تاريخها الماضي المجيد خطة نابليون، التي كان قد اختطها لاقتحام الشرق في طريقه إلى الهند، وكان اليهود، كما ذكر بعض المؤرخين، قد شجعوه عليها، ودفعوا إليه أموالاً وفيرة للمضي فيها، وكان نابليون بعدما احتل مصر عام ١٧٩٧ ولي وجهه نحو عكا، وكانت لنابليون شهرة وهيبة ورهبة مكنته في بعض الظروف من فتح البلاد بالرعب، فلما وصل عكا، كان أحمد باشا الجزار واليها يعينها من قبل الدولة العثمانية، وهو من أصل بشتاوي، ولم يكن يعرف شيئاً عن نابليون، إلا أنه عدو أجنبي طامع، فلابد من صده ودحره عن أرض الوطن، ولم تكن حينئذ إذاعات ولا تلفزيونات وصحافة، يستعملها الأعداء في الحرب النفسية لوهن العزائم وإضعاف النفوس، وإيقاع التخادل بين خصومهم، ولذلك لم يتأثر الجزار بشهرة القائد الفرنسي ومقدرته العسكرية، فثبت في وجهه وقاتله مع رجال الحامية بجرأة وشجاعة، وكان نابليون لما أعجزته عكا قد أمر جنوده بإقامة التل المعروف بتل نابليون، ونصب عليه مدافعه ليتمكن من الإشراف على قلعة عكا وضربها بالقنابل، لكن هذه المحاولة لم تجد نفعاً، واضطر بعد حصار طويل ومعارك دامية أن يأس من الاستيلاء عليها، وينكفئ راجعاً إلى مصر، وهكذا حطم أحمد باشا الجزار وحطمت عكا كبرياء نابليون.

فالحرب النفسية التي يشنها الأعداء علينا في ظروفنا الحاضرة تؤثر في أمتنا، وتلقي الرعب والوهن واليأس في كثيرين. ولقد سمعت رجلاً عربياً مثقفاً لا ينقصه الإخلاص يقول بحسرة: لقد شهدنا نحن العرب الهزيمة ثلاث مرات متواليات، لأننا لسنا على مستوى اليهود في التكنولوجيا، فليس في استطاعتنا أن نتغلب عليهم

English
translation

He added that because Acre had few means of protection, he feared the Jews would break their promises and attack Acre while traveling to or returning from their settlements. He also feared that the Jews would use the truce to plant mines on the roads and along the border.

Acre, with its impregnable fortifications and historic renown, had withstood Napoleon’s attacks and repelled him with rare courage and determined defense. It forced him, the famous commander whose reputation had filled the world, to withdraw defeated and frustrated, leading historians to say that Napoleon died with something unresolved about Acre. This Acre fell cheaply into the hands of the Zionist enemies, as Palestinian cities fell one after another, because of the negligence of some officials who wrested the Palestine cause from its people, took charge of its affairs, and soon threw down their arms and fled before bands of Zionists.

In its glorious past, Acre had thwarted Napoleon’s plan, devised to invade the East on his way to India. Some historians say the Jews encouraged him and gave him abundant money to pursue it. After Napoleon occupied Egypt in 1797, he turned toward Acre. He had a reputation, awe, and terror that at times enabled him to conquer countries through fear. When he reached Acre, Ahmad Pasha al-Jazzar, its governor appointed by the Turkish Empire, defended it. He was of Bosnian origin and knew nothing of Napoleon except that he was an ambitious foreign enemy who had to be repelled and driven from the homeland. There were then no radios, televisions, or press for enemies to use in psychological warfare to weaken resolve, undermine morale, and cause disunity among their opponents. Al-Jazzar was therefore not affected by the French commander’s fame and military ability. He stood against him and fought him with the garrison men boldly and bravely. When Napoleon was frustrated by Acre, he ordered his soldiers to build the mound known as Napoleon’s Hill and mount cannons on it to oversee Acre’s fortress and bombard it. The attempt failed, and after a long siege and bloody battles he despaired of capturing it and withdrew to Egypt. Thus Ahmad Pasha al-Jazzar broke Napoleon’s pride, and Acre broke it as well.

The psychological warfare the enemies wage against us in our present circumstances affects our nation and casts terror, weakness, and despair over many people. I heard an educated Arab man, lacking neither sincerity nor devotion, say bitterly: We Arabs have witnessed defeat three times in succession because we are not at the Jews’ level in technology. We cannot overcome them

Analysis

Page 483 uses Acre’s resistance to Napoleon as a historical and psychological counterexample, then turns to present-day Arab defeat and technological anxiety. The page ends with the speaker’s argument continuing onto page 484. The historical claims and political interpretation remain source-owned.

Raw transcript

وأضاف أنه لقلة وسائل الحماية في عكا يخشى أن ينكث اليهود بوعودهم فيعمدوا إلى مهاجمة عكا خلال ذهابهم إلى مستعمراتهم أو إيابهم منها، كما أنه يخشى أن يستغل اليهود الهدنة فيزرعوا الألغام في الطرق وعلى الحدود.

عكا ذات الحصون المنيعة، والشهرة التاريخية، التي صمدت لهجمات جيش نابليون وصدته عنها، ببسالة نادرة ودفاع مستميت، والتي اضطرته، وهو القائد الشهير الذي طبقت شهرته الآفاق، للانسحاب فاشلاً مقهوراً حتى قال المؤرخون: إن نابليون مات وفي نفسه شيء من عكا.. عكا هذه سقطت بثمن بخس في أيدي الأعداء الصهيونيين، كما سقطت المدن الفلسطينية واحدة إثر الأخرى، بسبب تهاون بعض المسؤولين، الذين انتهرعوا زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها، وتولوا شؤونها، ثم لم يلبثوا أن ألقوا السلاح وولوا مدبرين أمام شراذم الصهيونيين.

لقد أحبطت عكا في تاريخها الماضي المجيد خطة نابليون، التي كان قد اختطها لاقتحام الشرق في طريقه إلى الهند، وكان اليهود، كما ذكر بعض المؤرخين، قد شجعوه عليها، ودفعوا إليه أموالاً وفيرة للمضي فيها، وكان نابليون بعدما احتل مصر عام ١٧٩٧ ولي وجهه نحو عكا، وكانت لنابليون شهرة وهيبة ورهبة مكنته في بعض الظروف من فتح البلاد بالرعب، فلما وصل عكا، كان أحمد باشا الجزار واليها يعينها من قبل الدولة العثمانية، وهو من أصل بشتاوي، ولم يكن يعرف شيئاً عن نابليون، إلا أنه عدو أجنبي طامع، فلابد من صده ودحره عن أرض الوطن، ولم تكن حينئذ إذاعات ولا تلفزيونات وصحافة، يستعملها الأعداء في الحرب النفسية لوهن العزائم وإضعاف النفوس، وإيقاع التخادل بين خصومهم، ولذلك لم يتأثر الجزار بشهرة القائد الفرنسي ومقدرته العسكرية، فثبت في وجهه وقاتله مع رجال الحامية بجرأة وشجاعة، وكان نابليون لما أعجزته عكا قد أمر جنوده بإقامة التل المعروف بتل نابليون، ونصب عليه مدافعه ليتمكن من الإشراف على قلعة عكا وضربها بالقنابل، لكن هذه المحاولة لم تجد نفعاً، واضطر بعد حصار طويل ومعارك دامية أن يأس من الاستيلاء عليها، وينكفئ راجعاً إلى مصر، وهكذا حطم أحمد باشا الجزار وحطمت عكا كبرياء نابليون.

فالحرب النفسية التي يشنها الأعداء علينا في ظروفنا الحاضرة تؤثر في أمتنا، وتلقي الرعب والوهن واليأس في كثيرين. ولقد سمعت رجلاً عربياً مثقفاً لا ينقصه الإخلاص يقول بحسرة: لقد شهدنا نحن العرب الهزيمة ثلاث مرات متواليات، لأننا لسنا على مستوى اليهود في التكنولوجيا، فليس في استطاعتنا أن نتغلب عليهم