وأضاف أنه لقلة وسائل الحماية في عكا يخشى أن ينكث اليهود بوعودهم فيعمدوا إلى مهاجمة عكا خلال ذهابهم إلى مستعمراتهم أو إيابهم منها، كما أنه يخشى أن يستغل اليهود الهدنة فيزرعوا الألغام في الطرق وعلى الحدود.
عكا ذات الحصون المنيعة، والشهرة التاريخية، التي صمدت لهجمات جيش نابليون وصدته عنها، ببسالة نادرة ودفاع مستميت، والتي اضطرته، وهو القائد الشهير الذي طبقت شهرته الآفاق، للانسحاب فاشلاً مقهوراً حتى قال المؤرخون: إن نابليون مات وفي نفسه شيء من عكا.. عكا هذه سقطت بثمن بخس في أيدي الأعداء الصهيونيين، كما سقطت المدن الفلسطينية واحدة إثر الأخرى، بسبب تهاون بعض المسؤولين، الذين انتهرعوا زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها، وتولوا شؤونها، ثم لم يلبثوا أن ألقوا السلاح وولوا مدبرين أمام شراذم الصهيونيين.
لقد أحبطت عكا في تاريخها الماضي المجيد خطة نابليون، التي كان قد اختطها لاقتحام الشرق في طريقه إلى الهند، وكان اليهود، كما ذكر بعض المؤرخين، قد شجعوه عليها، ودفعوا إليه أموالاً وفيرة للمضي فيها، وكان نابليون بعدما احتل مصر عام ١٧٩٧ ولي وجهه نحو عكا، وكانت لنابليون شهرة وهيبة ورهبة مكنته في بعض الظروف من فتح البلاد بالرعب، فلما وصل عكا، كان أحمد باشا الجزار واليها يعينها من قبل الدولة العثمانية، وهو من أصل بشتاوي، ولم يكن يعرف شيئاً عن نابليون، إلا أنه عدو أجنبي طامع، فلابد من صده ودحره عن أرض الوطن، ولم تكن حينئذ إذاعات ولا تلفزيونات وصحافة، يستعملها الأعداء في الحرب النفسية لوهن العزائم وإضعاف النفوس، وإيقاع التخادل بين خصومهم، ولذلك لم يتأثر الجزار بشهرة القائد الفرنسي ومقدرته العسكرية، فثبت في وجهه وقاتله مع رجال الحامية بجرأة وشجاعة، وكان نابليون لما أعجزته عكا قد أمر جنوده بإقامة التل المعروف بتل نابليون، ونصب عليه مدافعه ليتمكن من الإشراف على قلعة عكا وضربها بالقنابل، لكن هذه المحاولة لم تجد نفعاً، واضطر بعد حصار طويل ومعارك دامية أن يأس من الاستيلاء عليها، وينكفئ راجعاً إلى مصر، وهكذا حطم أحمد باشا الجزار وحطمت عكا كبرياء نابليون.
فالحرب النفسية التي يشنها الأعداء علينا في ظروفنا الحاضرة تؤثر في أمتنا، وتلقي الرعب والوهن واليأس في كثيرين. ولقد سمعت رجلاً عربياً مثقفاً لا ينقصه الإخلاص يقول بحسرة: لقد شهدنا نحن العرب الهزيمة ثلاث مرات متواليات، لأننا لسنا على مستوى اليهود في التكنولوجيا، فليس في استطاعتنا أن نتغلب عليهم