هذه المدفعية، التي كانت بقيادة المقدم مهدي، إلى يافا لتغير الموقف تغيراً تاماً لصالح حامية يافا، ولم يسمع رجال الحامية عن مدفعية القائد فوزي القاوقجي، التي أمرتها اللجنة العسكرية بتعزيز حامية يافا، إلا إذاعات من محطة جيش الإنقاذ بأنها دكت حصون «نتزر» اليهودية وجعلتها أطلالاً، واشتعلت الحرائق في تل أبيب، دون أن يكون لذلك أي أثر من الواقع مما اضطر عادل نجم الدين آمر حامية يافا أن يبرق إلى اللجنة العسكرية بدمشق مكذباً هذه الأخبار والإذاعات...
وعندما شعر اليهود بأن الدول العربية جادة في إدخال جيوشها إلى فلسطين، قرروا احتلال يافا قبل أن يحل موعد الجلاء البريطاني، فركزوا قواتهم وشدوا إطلاق مدافعهم وهجومهم على يافا تشديداً حمل البقية الباقية من سكانها على الجلاء عنها، واستمر قصف المدافع اليهودية ليافا ثلاثة أيام متوالية.
وكانت الكارثة التي حلت بيافا أخيراً، نتيجة أمر لاسلكي أصدره القاوقجي لآمر الحامية عادل نجم الدين بالانسحاب من المدينة وتسليم الحامية للرائد ميشيل العيسى، فأغضب ذلك عادل نجم الدين، فأراد أن يسيء إلى القاوقجي بكل ما أساء إليه، لكن الإساءة كانت على حساب مدينة يافا إذ جمع عادل ضباط الحامية ودعاهم إلى الانسحاب مع جنودهم، فنزل الجنود من الجبهات إلى أسواق المدينة، ودههموا الحوانيت وحملوا أثقالها ونهبوها، وصادروا السيارات وملأوها بأسلحتهم، وبالأسلحة التي صادروها من الأهالي ومن المناضلين، وبالذخائر التي كانت في مستودعات القيادة وانطلقوا خارج يافا، أما عادل نجم الدين فلم يتمكن من مغادرة يافا براً فغادرها بحراً، دون أن يلبي طلب أعضاء اللجنة القومية ورئيس البلدية وأعضائها بالبقاء في يافا، وقال على مسمع من الناس: «سأري فوزي القاوقجي نتيجة أمره، وليتقدم هو للدفاع عن المدينة!»
وقد عمت الفوضى المدينة إثر انسحاب نجم الدين وقوة الحامية، وحل الذعر في من بقي من الأهالي، فسارعوا بهجرها، حتى أصبحت أجرة سيارة النقل إلى خارج يافا مئتي جنيه.
أما قوة الرائد ميشيل العيسى فقد تضاءلت حتى الربع بعد أن أعمل هؤلاء أيضاً أيديهم بالنهب والسلب في المدينة، وهكذا بقيت يافا دون قوة دفاعية، وفي الفترة ما بين الخامس والخامس عشر من شهر أيار (مايو) عانت المدينة من القصف الذي أخذوا يسلطون عليها من البر والبحر.