مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 491

Normalized
transcript

هذه المدفعية، التي كانت بقيادة المقدم مهدي، إلى يافا لتغير الموقف تغيراً تاماً لصالح حامية يافا، ولم يسمع رجال الحامية عن مدفعية القائد فوزي القاوقجي، التي أمرتها اللجنة العسكرية بتعزيز حامية يافا، إلا إذاعات من محطة جيش الإنقاذ بأنها دكت حصون «نتزر» اليهودية وجعلتها أطلالاً، واشتعلت الحرائق في تل أبيب، دون أن يكون لذلك أي أثر من الواقع مما اضطر عادل نجم الدين آمر حامية يافا أن يبرق إلى اللجنة العسكرية بدمشق مكذباً هذه الأخبار والإذاعات...

وعندما شعر اليهود بأن الدول العربية جادة في إدخال جيوشها إلى فلسطين، قرروا احتلال يافا قبل أن يحل موعد الجلاء البريطاني، فركزوا قواتهم وشدوا إطلاق مدافعهم وهجومهم على يافا تشديداً حمل البقية الباقية من سكانها على الجلاء عنها، واستمر قصف المدافع اليهودية ليافا ثلاثة أيام متوالية.

وكانت الكارثة التي حلت بيافا أخيراً، نتيجة أمر لاسلكي أصدره القاوقجي لآمر الحامية عادل نجم الدين بالانسحاب من المدينة وتسليم الحامية للرائد ميشيل العيسى، فأغضب ذلك عادل نجم الدين، فأراد أن يسيء إلى القاوقجي بكل ما أساء إليه، لكن الإساءة كانت على حساب مدينة يافا إذ جمع عادل ضباط الحامية ودعاهم إلى الانسحاب مع جنودهم، فنزل الجنود من الجبهات إلى أسواق المدينة، ودههموا الحوانيت وحملوا أثقالها ونهبوها، وصادروا السيارات وملأوها بأسلحتهم، وبالأسلحة التي صادروها من الأهالي ومن المناضلين، وبالذخائر التي كانت في مستودعات القيادة وانطلقوا خارج يافا، أما عادل نجم الدين فلم يتمكن من مغادرة يافا براً فغادرها بحراً، دون أن يلبي طلب أعضاء اللجنة القومية ورئيس البلدية وأعضائها بالبقاء في يافا، وقال على مسمع من الناس: «سأري فوزي القاوقجي نتيجة أمره، وليتقدم هو للدفاع عن المدينة!»

وقد عمت الفوضى المدينة إثر انسحاب نجم الدين وقوة الحامية، وحل الذعر في من بقي من الأهالي، فسارعوا بهجرها، حتى أصبحت أجرة سيارة النقل إلى خارج يافا مئتي جنيه.

أما قوة الرائد ميشيل العيسى فقد تضاءلت حتى الربع بعد أن أعمل هؤلاء أيضاً أيديهم بالنهب والسلب في المدينة، وهكذا بقيت يافا دون قوة دفاعية، وفي الفترة ما بين الخامس والخامس عشر من شهر أيار (مايو) عانت المدينة من القصف الذي أخذوا يسلطون عليها من البر والبحر.

English
translation

entered Jaffa, under the command of Major Mahdi, it would have changed the situation completely in favor of the Jaffa garrison. The garrison men heard nothing about the artillery of Commander Fawzi al-Qawuqji, which the Military Committee had ordered to reinforce the Jaffa garrison, except broadcasts from the Salvation Army station saying that it had battered the Jewish “Netzer” fortresses and reduced them to ruins and that fires had broken out in Tel Aviv. None of this had any basis in reality, which forced Adel Najm al-Din, commander of the Jaffa garrison, to send a telegram to the Military Committee in Damascus denying these reports and broadcasts.

When the Jews sensed that the Arab states were serious about bringing their armies into Palestine, they decided to occupy Jaffa before the date of the British evacuation arrived. They concentrated their forces and intensified their artillery fire and attack on Jaffa, driving the remainder of its inhabitants to leave. The Jewish artillery bombardment of Jaffa continued for three consecutive days.

The final disaster that befell Jaffa resulted from a wireless order that al-Qawuqji issued to the garrison commander, Adel Najm al-Din, instructing him to withdraw from the city and hand the garrison over to Major Michel al-Issa. This angered Adel al-Din, who wanted to retaliate against al-Qawuqji in every way he could. The retaliation, however, came at Jaffa’s expense. Adel gathered the garrison officers and called on them to withdraw with their soldiers. The soldiers came down from the fronts into the city’s markets, stormed the shops, carried off their goods, looted them, seized cars, filled them with their weapons, the weapons they had confiscated from residents and fighters, and the ammunition in the command depots, and drove out of Jaffa. Adel Najm al-Din could not leave Jaffa by land, so he left by sea without answering the request of the National Committee’s members, the mayor, and the municipal council members that he remain in Jaffa. He said within hearing of the people: “I will show Fawzi al-Qawuqji the result of his order. Let him come forward to defend the city!”

Chaos spread through the city after Najm al-Din and the garrison force withdrew, and panic seized those residents who remained. They hurried to abandon it, until the fare for a transport car out of Jaffa reached two hundred pounds.

Major Michel al-Issa’s force was reduced to a quarter after its men also set about looting and pillaging the city. Thus Jaffa was left without a defensive force. Between 5 and 15 May, the city suffered bombardment that was directed against it from land and sea.

Analysis

Page 491 describes the final stages of Jaffa’s collapse. It attributes the decision to intensify the attack before British withdrawal to Jewish concern that Arab armies might enter Palestine, and it says the bombardment drove out the remaining residents. The memoir then presents the withdrawal order to Adel Najm al-Din as a command conflict that led to the garrison’s retreat, looting, seizure of weapons and ammunition, and the abandonment of Jaffa’s defenses.

The page is especially significant because it connects military withdrawal, internal disorder, and civilian flight. It attributes the account to the memoirist and uses openly condemnatory language toward the retreating forces. The final sentence records bombardment from land and sea between 5 and 15 May and ends the page with a complete sentence; page 492 begins a new paragraph.

Raw transcript

هذه المدفعية، التي كانت بقيادة المقدم مهدي، إلى يافا لتغير الموقف تغيراً تاماً لصالح حامية يافا، ولم يسمع رجال الحامية عن مدفعية القائد فوزي القاوقجي، التي أمرتها اللجنة العسكرية بتعزيز حامية يافا، إلا إذاعات من محطة جيش الإنقاذ بأنها دكت حصون «نتزر» اليهودية وجعلتها أطلالاً، واشتعلت الحرائق في تل أبيب، دون أن يكون لذلك أي أثر من الواقع مما اضطر عادل نجم الدين آمر حامية يافا أن يبرق إلى اللجنة العسكرية بدمشق مكذباً هذه الأخبار والإذاعات...

وعندما شعر اليهود بأن الدول العربية جادة في إدخال جيوشها إلى فلسطين، قرروا احتلال يافا قبل أن يحل موعد الجلاء البريطاني، فركزوا قواتهم وشدوا إطلاق مدافعهم وهجومهم على يافا تشديداً حمل البقية الباقية من سكانها على الجلاء عنها، واستمر قصف المدافع اليهودية ليافا ثلاثة أيام متوالية.

وكانت الكارثة التي حلت بيافا أخيراً، نتيجة أمر لاسلكي أصدره القاوقجي لآمر الحامية عادل نجم الدين بالانسحاب من المدينة وتسليم الحامية للرائد ميشيل العيسى، فأغضب ذلك عادل نجم الدين، فأراد أن يسيء إلى القاوقجي بكل ما أساء إليه، لكن الإساءة كانت على حساب مدينة يافا إذ جمع عادل ضباط الحامية ودعاهم إلى الانسحاب مع جنودهم، فنزل الجنود من الجبهات إلى أسواق المدينة، ودههموا الحوانيت وحملوا أثقالها ونهبوها، وصادروا السيارات وملأوها بأسلحتهم، وبالأسلحة التي صادروها من الأهالي ومن المناضلين، وبالذخائر التي كانت في مستودعات القيادة وانطلقوا خارج يافا، أما عادل نجم الدين فلم يتمكن من مغادرة يافا براً فغادرها بحراً، دون أن يلبي طلب أعضاء اللجنة القومية ورئيس البلدية وأعضائها بالبقاء في يافا، وقال على مسمع من الناس: «سأري فوزي القاوقجي نتيجة أمره، وليتقدم هو للدفاع عن المدينة!»

وقد عمت الفوضى المدينة إثر انسحاب نجم الدين وقوة الحامية، وحل الذعر في من بقي من الأهالي، فسارعوا بهجرها، حتى أصبحت أجرة سيارة النقل إلى خارج يافا مئتي جنيه.

أما قوة الرائد ميشيل العيسى فقد تضاءلت حتى الربع بعد أن أعمل هؤلاء أيضاً أيديهم بالنهب والسلب في المدينة، وهكذا بقيت يافا دون قوة دفاعية، وفي الفترة ما بين الخامس والخامس عشر من شهر أيار (مايو) عانت المدينة من القصف الذي أخذوا يسلطون عليها من البر والبحر.