مذكرات محمد أمين الحسيني
Memoirs of Muhammad Amin al-Husayni

Page 493

Normalized
transcript

وتمكن السيد صلاح الناظم من أن يحمل من يافا قبل أن يدخلها اليهود، ما كان لديه من المتفجرات والذخائر والبنادق والرشاشات ومدافع المورتر وبعض مواد التموين، وأن يشحنها إلى مركز قيادة الشيخ حسن سلامة قائد المنطقة.

أذكر لهذه المناسبة الأليمة، وهي سقوط يافا في يد العدو، حديثاً دار بين الفريق طه الهاشمي وبيني، في اجتماع مع اللجنة العسكرية في دار وزارة الخارجية السورية بدمشق، وكان الفريق طه هو المشرف على هذه اللجنة.

فقد كنت طلبت من اللجنة المذكورة إيضاح الأسباب التي يتحملها تهمل أمر الدفاع عن المدن الثلاث الكبرى، وهي القدس ويافا وحيفا، وعدم إمدادها بما تقضي به الضرورة من الجنود والأسلحة. فأجابني الفريق طه بأن مشروع التقسيم الذي وضعه الإنكليز، يقضي بأن تكون يافا من حصة العرب أما حيفا فستكون ميناء دولياً حراً، وأما القدس فليست موقعاً استراتيجياً، وإذا استولى عليها اليهود فإننا نستطيع نستردها منهم في أي وقت!!

فندهشت مما قاله طه باشا، وقلت له إن مشروع التقسيم الذي تشير إليه كانت وضعته اللجنة الملكية البريطانية ووضعته عام ١٩٣٧، وهو يقضي بأن تكون يافا (البلد والميناء معاً) داخلة في منطقة الانتداب البريطانية، لكن هذا التقسيم قد ألغي، وألغته الحكومة البريطانية منذ عشرة أعوام، وجاء بعده تقسيم ١٩٤٧ الذي أقرته الأمم فقط، وجعل مدينة يافا ومنطقتها من حصة اليهود، وهل لنا أن نطمئن إلى مشروع الحكومة البريطانية الذي وضعه الإنكليز المتواطئون مع اليهود على سياسة وعد بلفور وتحويل فلسطين إلى وطن يهودي؟

أما القدس فذات موقع استراتيجي عظيم الأهمية، لوقوعها في أعلى سلسلة الجبال التي تشرف على سهول فلسطين الساحلية حتى ساحل البحر المتوسط غرباً، وعلى منطقة الأغوار وجبال شرق الأردن شرقاً، ولكونها ملتقى الطرق التي تصل بين جميع أنحاء فلسطين، مما يجعل الذي يستولي عليها مسيطراً على الجزء الأكبر من فلسطين، وفيها مواقع عالية مشرفة على كل من البحر الأبيض المتوسط غرباً، والبحر الميت وسلسلة جبال الأردن شرقاً، كجبل الطور وجبل النبي صمويل، وفي ساحة المسجد الأقصى المبارك مصطبة تعرف بمصطبة الكرد، لأن الواقف عليها يستطيع أن يشاهد منها مدينة الكرك في شرق الأردن، الواقعة على بعد نحو مئة كيلو متر على خط مستقيم.

English
translation

Mr. Salah al-Nazim managed to take from Jaffa, before the Jews entered it, the explosives, ammunition, rifles, machine guns, mortars, and some provisions he had, and ship them to the command center of Sheikh Hasan Salama, commander of the region.

On this occasion of grief, the fall of Jaffa into the hands of the enemy, I recall a conversation that took place between General Taha al-Hashimi and me at a meeting with the Military Committee in the Syrian Foreign Ministry in Damascus. General Taha supervised this committee.

I had asked the committee to explain why it had neglected the defense of the three major cities, Jerusalem, Jaffa, and Haifa, and had not supplied them with the soldiers and weapons required by necessity. General Taha replied that the partition plan drawn up by the English required Jaffa to be part of the Arab share, while Haifa would be a free international port. As for Jerusalem, it was not a strategic position, and if the Jews seized it, we could recover it from them at any time.

I was astonished by what Taha Pasha said and told him that the partition plan to which he referred had been drawn up by the British Royal Commission in 1937. It provided for Jaffa, the town and port together, to be included in the British Mandate area. But that partition had been canceled, and the British government had canceled it ten years earlier. The 1947 partition that followed had been approved only by the United Nations and made the city of Jaffa and its region part of the Jewish share. Could we trust the plan of the British government, drawn up by Englishmen who were complicit with the Jews in the policy of the Balfour Declaration and the transformation of Palestine into a Jewish homeland?

As for Jerusalem, it has a highly important strategic position because it lies at the top of the mountain range overlooking Palestine’s coastal plains as far as the Mediterranean Sea to the west and the Jordan Valley and the mountains of Transjordan to the east. It is also where the roads linking all parts of Palestine meet, so that whoever seizes it controls most of Palestine. It contains high sites overlooking the Mediterranean Sea to the west and the Dead Sea and the Jordan mountain range to the east, such as Mount Tabor and Mount Nabi Samuel. In the courtyard of the blessed al-Aqsa Mosque is a platform known as the Mastaba of al-Kurd. A person standing on it can see the city of al-Karak in Transjordan, about one hundred kilometers away in a straight line.

Analysis

Page 493 opens with the removal of weapons and supplies from Jaffa and then records the memoirist’s retrospective exchange with General Taha al-Hashimi. The exchange presents competing views of the strategic importance of Jaffa, Haifa, and Jerusalem and attributes the failure to defend them to a mistaken reading of partition plans and the geography of Jerusalem.

The page is especially significant for the source’s argument that Jerusalem’s elevation, road network, and visibility over the coastal plain, the Mediterranean, the Dead Sea, and Transjordan made it strategically central. It also links the 1947 partition to the Jewish share of Jaffa and frames British policy through the Balfour Declaration. These claims and the reported dialogue remain source-attributed. Page 494 begins with the religious importance of Jerusalem and continues the critique of Taha al-Hashimi.

Raw transcript

وتمكن السيد صلاح الناظم من أن يحمل من يافا قبل أن يدخلها اليهود، ما كان لديه من المتفجرات والذخائر والبنادق والرشاشات ومدافع المورتر وبعض مواد التموين، وأن يشحنها إلى مركز قيادة الشيخ حسن سلامة قائد المنطقة.

أذكر لهذه المناسبة الأليمة، وهي سقوط يافا في يد العدو، حديثاً دار بين الفريق طه الهاشمي وبيني، في اجتماع مع اللجنة العسكرية في دار وزارة الخارجية السورية بدمشق، وكان الفريق طه هو المشرف على هذه اللجنة.

فقد كنت طلبت من اللجنة المذكورة إيضاح الأسباب التي يتحملها تهمل أمر الدفاع عن المدن الثلاث الكبرى، وهي القدس ويافا وحيفا، وعدم إمدادها بما تقضي به الضرورة من الجنود والأسلحة. فأجابني الفريق طه بأن مشروع التقسيم الذي وضعه الإنكليز، يقضي بأن تكون يافا من حصة العرب أما حيفا فستكون ميناء دولياً حراً، وأما القدس فليست موقعاً استراتيجياً، وإذا استولى عليها اليهود فإننا نستطيع نستردها منهم في أي وقت!!

فندهشت مما قاله طه باشا، وقلت له إن مشروع التقسيم الذي تشير إليه كانت وضعته اللجنة الملكية البريطانية ووضعته عام ١٩٣٧، وهو يقضي بأن تكون يافا (البلد والميناء معاً) داخلة في منطقة الانتداب البريطانية، لكن هذا التقسيم قد ألغي، وألغته الحكومة البريطانية منذ عشرة أعوام، وجاء بعده تقسيم ١٩٤٧ الذي أقرته الأمم فقط، وجعل مدينة يافا ومنطقتها من حصة اليهود، وهل لنا أن نطمئن إلى مشروع الحكومة البريطانية الذي وضعه الإنكليز المتواطئون مع اليهود على سياسة وعد بلفور وتحويل فلسطين إلى وطن يهودي؟

أما القدس فذات موقع استراتيجي عظيم الأهمية، لوقوعها في أعلى سلسلة الجبال التي تشرف على سهول فلسطين الساحلية حتى ساحل البحر المتوسط غرباً، وعلى منطقة الأغوار وجبال شرق الأردن شرقاً، ولكونها ملتقى الطرق التي تصل بين جميع أنحاء فلسطين، مما يجعل الذي يستولي عليها مسيطراً على الجزء الأكبر من فلسطين، وفيها مواقع عالية مشرفة على كل من البحر الأبيض المتوسط غرباً، والبحر الميت وسلسلة جبال الأردن شرقاً، كجبل الطور وجبل النبي صمويل، وفي ساحة المسجد الأقصى المبارك مصطبة تعرف بمصطبة الكرد، لأن الواقف عليها يستطيع أن يشاهد منها مدينة الكرك في شرق الأردن، الواقعة على بعد نحو مئة كيلو متر على خط مستقيم.