وتمكن السيد صلاح الناظم من أن يحمل من يافا قبل أن يدخلها اليهود، ما كان لديه من المتفجرات والذخائر والبنادق والرشاشات ومدافع المورتر وبعض مواد التموين، وأن يشحنها إلى مركز قيادة الشيخ حسن سلامة قائد المنطقة.
أذكر لهذه المناسبة الأليمة، وهي سقوط يافا في يد العدو، حديثاً دار بين الفريق طه الهاشمي وبيني، في اجتماع مع اللجنة العسكرية في دار وزارة الخارجية السورية بدمشق، وكان الفريق طه هو المشرف على هذه اللجنة.
فقد كنت طلبت من اللجنة المذكورة إيضاح الأسباب التي يتحملها تهمل أمر الدفاع عن المدن الثلاث الكبرى، وهي القدس ويافا وحيفا، وعدم إمدادها بما تقضي به الضرورة من الجنود والأسلحة. فأجابني الفريق طه بأن مشروع التقسيم الذي وضعه الإنكليز، يقضي بأن تكون يافا من حصة العرب أما حيفا فستكون ميناء دولياً حراً، وأما القدس فليست موقعاً استراتيجياً، وإذا استولى عليها اليهود فإننا نستطيع نستردها منهم في أي وقت!!
فندهشت مما قاله طه باشا، وقلت له إن مشروع التقسيم الذي تشير إليه كانت وضعته اللجنة الملكية البريطانية ووضعته عام ١٩٣٧، وهو يقضي بأن تكون يافا (البلد والميناء معاً) داخلة في منطقة الانتداب البريطانية، لكن هذا التقسيم قد ألغي، وألغته الحكومة البريطانية منذ عشرة أعوام، وجاء بعده تقسيم ١٩٤٧ الذي أقرته الأمم فقط، وجعل مدينة يافا ومنطقتها من حصة اليهود، وهل لنا أن نطمئن إلى مشروع الحكومة البريطانية الذي وضعه الإنكليز المتواطئون مع اليهود على سياسة وعد بلفور وتحويل فلسطين إلى وطن يهودي؟
أما القدس فذات موقع استراتيجي عظيم الأهمية، لوقوعها في أعلى سلسلة الجبال التي تشرف على سهول فلسطين الساحلية حتى ساحل البحر المتوسط غرباً، وعلى منطقة الأغوار وجبال شرق الأردن شرقاً، ولكونها ملتقى الطرق التي تصل بين جميع أنحاء فلسطين، مما يجعل الذي يستولي عليها مسيطراً على الجزء الأكبر من فلسطين، وفيها مواقع عالية مشرفة على كل من البحر الأبيض المتوسط غرباً، والبحر الميت وسلسلة جبال الأردن شرقاً، كجبل الطور وجبل النبي صمويل، وفي ساحة المسجد الأقصى المبارك مصطبة تعرف بمصطبة الكرد، لأن الواقف عليها يستطيع أن يشاهد منها مدينة الكرك في شرق الأردن، الواقعة على بعد نحو مئة كيلو متر على خط مستقيم.