وبالإضافة إلى هذا فإن منزلة القدس الدينية في نفوس العرب، مسلمين ومسيحيين، ذات أثر معنوي كبير في الدفاع عنها، ومقاتلة كل من يعتدي عليها.
وفيما بعد برهنت الأحداث الأليمة على أن الفريق طه باشا كان بعيداً جداً عن واقع الأمر، وغير ملم بعظم الخطر اليهودي والمطامع الصهيونية، وهو لم يزر فلسطين ولا تعرف على بلادها ومرافقها، وها هم اليهود الآن، وقد أصبحت القدس في أيديهم بعد كارثة ١٩٦٧، يستغلون في سبيل بقائها في حوزتهم، وعاصمة لدولتهم، القائمة على الغصب والعدوان، وعلى دعم الدول الاستعمارية لهم، وفي طليعتها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وفيما عدا هذا فإن المرحوم الفريق طه الهاشمي، كان رجلاً فاضلاً عفيف اليد واللسان، ومستقيماً في جميع المناصب التي تقلدها في العراق، في رئاسة أركان الجيش وفي وزارة الدفاع وفي رئاسة الوزارة، وقد كانت تربطني به صداقة شخصية.
سقوط الناصرة:
في ١٥ أيار (مايس) ١٩٤٨ انسحبت القوات البريطانية من مدينة الناصرة، وكانت لجيش الجهاد المقدس في منطقة الناصرة وطبريا قيادة يتولاها الشيخ توفيق ابراهيم، ومنذ مطلع عام ١٩٤٨، وعلى أثر قرار تقسيم فلسطين في ٢٩/١١/١٩٤٧ أخذت تقع في هذه المنطقة، مناوشات بين العرب واليهود لم تلبث أن اتسعت واتخذت شكل معارك حربية، وكان مركز القيادة مدينة الناصرة حيث كانت سرية عسكرية لجيش الجهاد المقدس، وكان أهل القرى المحيطة بالناصرة مزودين بأعداد غير كافية من البنادق، ولم تكن لديهم أسلحة أوتوماتيكية، فجرى تنظيم جماعات مسلحة في القرى وتدريبهم ليصبحوا قادرين على حماية أنفسهم وقراهم إذا ما هاجمهم العدو. وتم وضع حظيرة في قرية معلول، وأخرى في اكسال، وثالثة في دبورية وحظيرتين أخريين في عرب الصبيح وفي قرية الشجرة، وهكذا انتشرت قوات الجهاد المقدس حول مدينة الناصرة في شكل دائرة حتى كان من الصعب على قوات العدو أن تصل إليها.
وفي داخل الناصرة اتخذت تدابير للحراسة وإعداد المقاتلين لمواجهة الطوارئ، وتم عمل بعض التحصينات الضرورية وإنشاء قوة ضاربة لإنجاد القرى التي قد يهاجمها العدو.