وأنهم قالوا أن الله هو المسيح بن مريم، وقالوا أن الله ثالث ثلاثة، ورد عليهم هذه العقيدة بالأدلة العقلية، وببراءة المسيح منها ومن منتحليها يوم القيامة، وبين لهم حقيقة المسيح وأنه عبد الله ورسوله وروح منه، وما أيده به من الآيات، وحال حوارييه وتلاميذه في الإيمان. وبين أنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين، (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) فليراجع تفسير ذلك في أول الجزء السابع.
وجملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند الله تعالى لا من عند محمد بن عبد الله العربي الأمي الذي لم يقرأ شيئا من تلك الكتب، على أن تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه، وإنما هي فوق ذلك تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم.
أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب
لو كان هذا القرآن من وضع البشر لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما ذكر - ولا سيما الذين ناصبوا الإسلام العداء عند ظهوره - بأشد الأحكام وأقساها. ولكنه تنزيل من حكيم حميد، أمر في هذه السورة بمعاملتهم بالعدل، والحكم بينهم بالقسط، وحكم بحل مؤاكلتهم، وتزوج نسائهم، وقبول شهادتهم، والعفو والصفح عنهم، وهذه الأحكام التي شرعت هذه المعاملة الفضلى لهم نزلت بعد إظهار اليهود للنبي (ص) والمؤمنين منتهى العداوة والغدر، وبعد أن ناصبوه مع المشركين الحرب، وهي تتضمن تأليف قلوبهم، واكتساب مودتهم، (راجع ص ١٩٥ ج ٦).
وقد ختم الله تعالى السورة بذكر الجزاء في الآخرة بما يناسب أحكامها كلها، كما بيناه في تفسير آخر آية منها.
روى أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وبعض رواة التفسير عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت نعم. فقالت أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. وروى أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة