بالبرهان، وبين بعض ما كانوا يخفون أو يجهلون منه أحسن بيان.

ووصف التوراة والإنجيل أحسن وصف، وذكر من أخبار التوراة قصة ابني آدم بالحق، ومن أحكامها عقوبات القتل وإتلاف الأعضاء والجروح، ومن أخبار الإنجيل والمسيح ما هو حجة على الفريقين، وبين أن الكتابين أنزلا نورا وهدى للناس، وأنهم لو كانوا أقاموهما لكانوا في أحسن حال، ولسارعوا إلى الإيمان بما أنزله الله على خاتم رسله مصدقا لأصلهما، ومبينا لما طرأ عليهما، ومكملا لدين الأنبياء جميعا، على سنة الله في النشوء والارتقاء، التي هي أظهر في البشر منها في سائر الأشياء، ولكنهم اتخذوا الإسلام هزؤا ولعبا في جملته وفي صلاته، ووالوا عليه المناصبين له من أعدائه، فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم لذلك.

ومما جاء في اليهود خاصة نعيا عليهم وبيانا لسوء حالهم - أنهم نقضوا ميثاق الله الذي أخذه عليهم في كتابهم ونسوا حظا عظيما مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وتركوا الحكم بالتوراة وأخفوا بعض أحكامها، وحكموا الرسول ولم يرضوا بحكمه الموافق لها، وأن من صفاتهم الغالبة عليهم قساوة القلب، والخيانة والمكر، والكذب وقول الإثم، والمبالغة في سماع الكذب وأكل السحت، والسعي بالفساد في الأرض، وفي إيقاد نار الفتن والحروب، وأنهم كانوا يقتلون الأنبياء والرسل بغير حق، وتمردوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين فعاقبهم الله بالتيه في الأرض، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين، حتى أنهم يوالون عليهم المشركين، بسبب ما ورثوه من تلك الصفات عن الغابرين. وذكر أنه عاقبهم على ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل، وبالغضب والمسخ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبله تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم، ومن المعلوم أنها لم تكن عامة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم، فقد أنصفهم الحكم العدل في هذه السورة وغيرها بالحكم على الكثير منهم أو أكثرهم، ومنه قوله في هذه السورة (منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) وبينا في الموضوع ما كان بعد النبي (ص) من مساعدة اليهود للمسلمين في الشام والأندلس.

ومما جاء في النصارى خاصة أنهم نسوا - كاليهود - حظا مما ذكروا به،