Printed page 455
بنقض غزلهم، ونكث فتلهم، بل بتقليص ظلهم الاستعماري من الوجود، وهذا ما أفادت الحرب شعوب الشرق في مقابلة ما خسروا بها.
كان سبب نجاح الإنكليز في الاستعمار الذي استولوا به على ما يقرب من ربع البشر أنهم لم يكونوا يدخلون قطرًا إلا بدعوى قصد الخير له ولأهله: تارة لإنقاذ الشعب من ظلم أمرائه وحكامه، وتارة لحفظ عروش أولئك الأمراء من الثورات والفتن والفوضى، كما كان سبب نجاحهم في السياسة أنهم لم يكونوا ينقضون عهدًا أو يتفصون من عقاله إلا بضرب من التأويل يظهرون فيه أنهم على حق، كما قال أعظم ساسة أوربة في القرن التاسع عشر البرنس بسمارك وزير ألمانية ومؤسس وحدتها للسنيور كريسبي وزير إيطالية في حديث لهما في تسيير سياسة أوربة: وماذا نفعل بإنكلترة؟ قال كريسبي: نقيدها بمعاهدة، قال بسمارك: ولكن الإنكليز أبرع الناس في التفصي من عُقَل المعاهدات بالتأويل ... ونقول نحن: إنهم إنما يحتاجون إلى التأويل مع الدول القوية، وأما الشعوب الضعيفة كالعرب فلا يحتاجون معهم إلى تأويل، على أنهم سمُّوا استعباد البلاد العربية التي وعدوها الاستقلال: انتدابًا يراد به المساعدة على النهوض بأعباء الاستقلال بعد زمن غير طويل! !
لكن هذا الظلم والاستبداد الذي ابتدعوه في فلسطين شيء غريب في تاريخهم وتاريخ الاستعمار والاستعباد، لم يخلق مثله في البلاد، وهو لا يتفق في صورة من الصور ولا معنى من المعاني التي وضع لها لفظ الانتداب.
هو خَلْق شعب جديد يُجتلب من أوشاب أوطان كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها إلى وطن شعب آخر لينزعه منه ويحل محله فيه، وتمكينه من ذلك بالظلم والمحاباة في هاتين السنتين، ولا سيما أثناء الثورة الفلسطينية ما عجب منه واستغربه جميع الناس في جميع أقطار الأرض.
فلئن كان هذا من غرائب ظلم الإنكليز، فأغرب منه قدرة اليهود على توريطهم فيه، وإصرارهم عليه بعد ظهور فضيحتهم، وهتك سريرتهم، ولهذا يخاف اليهود أن لا يدوم هذا الإصرار، وأن يُكره الشعب الإنكليزي حكومته