Printed page 454
فظة الطبع، مسرفة في الطمع والجشع، والضراوة بسفك الدماء، والنهم بسلب الأموال، وأنها لا تبغي من هذه الحرب إلا استعباد البشر، والاستبداد في حكم الأمم.
وأما هم فلا يبغون من قتالها إلا الدفاع عن أنفسهم وعن إخوانهم في الإنسانية، ووقايتهم من الخطر الذي يتهدد حريتهم، واستقلال جميع الشعوب كبيرها وصغيرها، قويها وضعيفها؛ لأن الحرية القومية كالحرية الشخصية حق طبيعي عام للبشر، فإن ظفروا كانت العاقبة سعادة جميع البشر، وإن خسروا حاق الشقاء بجميع البشر! ! وقد كان القدح المعلى في تعميم هذه الدعاية للدولة البريطانية، وكان ممن خدع بها دولة الولايات المتحدة، وكان أول مخدوع رئيس حكومتها الدكتور ولسن ذو النزعة الدينية، والعاطفة الإنسانية الأدبية، فانبرى لمساعدتهم؛ وإنما كان النصر الأخير لهم بمساعدته المادية، وبما وضعه للصلح من القواعد (الأربع عشرة) السياسية الأدبية، وكان أول من خُدع بهذه القواعد الاشتراكيون والعمال من الألمان ومنهم بحارة الأسطول، فأكرهوا دولتهم على طلب الصلح، حتى إذا ما قضي الأمر، قلب الحلفاء للرئيس ولسن ودولته ولجميع البشر ظهر المجن، وظهر من طمعهم وقسوتهم وضراوتهم وجشعهم ونهمهم أضعاف ما كان من قبل.
أخلفوا الوعود، ونقضوا العهود، وكان جزاء العرب من الانضواء إليهم، والخروج معهم على دولتهم العثمانية طلبًا لاستقلالهم، أن عاملتهم إنكلترة وفرنسة شرًّا مما عاملت به جميع أعدائها من استعباد واستبداد، وسفك دماء وسلب أموال، حتى إنهم كانوا يدمرون القرية الآمنة المطمئنة من البلاد التي كانت تحارب دولتها تحت رايتهم على من فيها من رجال ونساء وأطفال لتهمة واهية لم تقرن ببحث ولا تحقيق، وحتى إنهم سلبوا من مملكة الحجاز سكة الحديد الإسلامية التي جعلها الشريف حسين تحت تصرفهم في الحرب، وكان جيشه يدمر بديناميتهم جسورها ويقلع حديدها في أرض الحجاز نفسها، معتقدًا أنها تبنى بأموال الإنكليز بعد الحرب وتكون له هي والبلاد المنشأة فيها! ! فلا غرو أن يزول كل ما كان لهاتين الدولتين من حرمة ومكانة أدبية في الشرق، وأن يعتقد شعوبه أنهم شر البشر على البشر، وأنه لا حرية ولا حرمة ولا حياة للإنسانية إلا