Printed page 453
تنازع الأقوياء مع الضعفاء كانوا مع الأولين على الآخرين، بل أقول: إنهم لا يحترمون ولا يخافون ولا يرجون إلا القوة، ولا يستحيون من وصف الشرقيين عامة والعرب خاصة بهذه الصفة، ولعمري إنها عامة في البشر؛ ولكنها في الغربيين أقوى وأظهر، وأعم وأشمل، لاستحواذ الأفكار المادية عليهم، وانحلال عرى الملكات الأدبية من قلوبهم، حتى إن أحد كتاب فرنسة طعن في الجيوش المغربية الإسلامية التي استبسلت في الدفاع عن وطنه وقومه بأن الدافع لهم إلى ذلك حب الشهرة بالشجاعة والنجدة، لا الإخلاص لدولته في الطاعة والمحبة، فالأوربيون يحتقرون الشرقيين ويسخرون منهم، كلما رأوا أثرًا من آثار السلطة الأدبية في أعمالهم.
ولقد شهد فيلسوف الإنكليز ومفخرهم، بل شيخ فلاسفة أوربة كلها في علوم الأخلاق والاجتماع بأن الأفكار المادية التي ظهرت أولاً في الشعب اللاتيني فأفسدت أخلاقه قد دب دبيبها إلى الشعب الإنكليزي، فطفقت تفتك بأخلاقه، فهي تعدو في سيرها فيه المرطى، وتنهزم من طريقها الفضيلة فترجع القهقرى، حرب ساحقة ليعلم أيها الأقوى ليسود العالم، وقد وقعت هذه الحرب من بعده، وكان فتكها بأخلاق الشعوب وفضائلها، أضعاف فتكها بجحافل جيوشها وفصائلها، وصياصيها ومعاقلها، وأساطيلها الحربية والتجارية، بل سرت عدوى هذا الفساد إلى جميع الأمم في سائر البلاد.
كان لكل من إنكلترة وفرنسة اسم سمي ومقام علي في العالم بما نبغ في بلادهما من العلماء والأدباء والشعراء والمخترعين والفنيين، وبما كانتا تبثان من الدعاية لأنفسهما في برقيات شركاتهما وصحفهما وكتبهما، وألسنة من يتربى ويتعلم في مدارسهما، وكذا ألسنة من يستميلون ويصطنعون في البلاد المختلفة وأقلامهم، وقد كان من الإفراط والغلو في هذه الدعاية في مدة الحرب على طولها ما أعقب رد الفعل على مدى أطول وسوء تأثير أعرض وأعمق.
كانوا يذيعون في كل يوم أن الدولة الألمانية دولة عسكرية قاسية القلب،