Printed page 452
فأما أهل شرق الأردن فقد سيموا من الخسف والاستعباد، ما لا نظير له في بلد من البلاد، إذ باعهم أميرهم لملك الإنكليز بيعًا سياسيًّا بعقد معاهدة لا يطيق ذلها أحد، ولا يقيم على خسفها إلا عير الحي والوتد، فاكتفى أذكاهم فهمًا وأقواهم عزمًا باسترحام الأمير لتعديل بعض مواد العقد، وتخفيف وطأة ما فيه من أحكام الرق، وهم قادرون الآن على تمزيق ذلك الصك، ونبذ ما انتحله عاقده من حق المُلك، وهي قدرة لا تدوم لهم، إذا طال أمد هذا الحكم عليهم.
وأما أهل فلسطين، فقد انحصر همهم في مقاومة الوطن القومي للصهيونيين، ومطالبة الإنكليز بنظام حكم نيابي يساوي بينهم وبين غرباء اليهود المعتدين، ونرى الإنكليز لا يسمعون لهم شكوى، ولا ينصفونهم في دعوى، بل يحابون اليهود وينصرونهم عليهم، ويمهدون لهم انتزاع رقبة أرضهم من أيديهم، والاستيلاء على مرافقها ومنافعها، والاستئثار معهم بمصالح حكومتها، وغرضهم الباطن من ذلك تفريق الوحدة العربية في قلب بلادها، وإيجاد أعداء للعرب من غير الإنكليز يشغلونهم بهم عن عداوتهم، ويعلِّقون أمل الفريقين ببقاء حكمهم عليهم.
وأما سببه الظاهر فهو أن اليهود أقوى من العرب أهل البلاد مالاً واتحادًا ونفوذًا ماديًّا ومعنويًّا في إنكلترة وسائر أوربة وفي الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، لا الوفاء بما يسمى (وعد بلفور) والإبرام لعهده، فكم من وعد أخلفوه، وكم من عهد نكثوه؟ كوعودهم لمصر ومعاهدة السودان معها، ولقد وعدوا العرب بما عاهدوا عليه الملك حسينًا من قبل أن يَعِدوا اليهود، وكان وعدهم له باستقلال جميع البلاد العربية بحدودها الطبيعية الشاملة لجزيرة العرب والعراق وفلسطين وسورية ومنها كليكية صريحًا جليًّا مع استثناء لعدن وتحفظ في سواحل سورية الشمالية (لبنان) والبصرة، وأن للعرب لقوة في بلادهم أعظم من قوة اليهود؛ ولكنهم كانوا يجهلون قدرها وإقامة البرهان المقنع للإنكليز عليها، وهي قوة الوحدة فيما لهم من الكثرة، وسنبين قيمتها في الفصل الثالث من هذا المقال.
فالإنكليز كغيرهم من أهل أوربة لا يعرفون حقًّا إلا للقوي، ولا يفون بوعد ولا عهد إلا للقوي، ولا يعدلون في حكم إلا مع المتساوين في القوة والضعف، فإن