Printed page 451
بلادهم، إلا بظلمهم وإسرافهم في أمرهم، فهؤلاء القوم يتحرون أن يكونوا أقل منهم ظلمًا، وأمثل حكمًا، ولو لم يفعلوا إلا النظام في الظلم، والمساواة بين كبير الناس وصغيرهم في الحكم، لكفى ذلك مروِّجًا للدعاية لهم، والتنويه بفضلهم على غيرهم، على أنهم لا يساوون أنفسهم بغيرهم من أهل هذه البلاد، ولا يتنزهون عن محاباة صنائعهم وأعوانهم على تمكين نفوذهم فيها، ولا يتقون ظلم أي زعيم وإذلال أي عزيز يطالب باستقلالها، أو يأنسون منه خطرًا على حكمهم، أو اشمئزازًا من ظلمهم.
وللإنكليز مزية أخرى على غيرهم من المستعمرين، ولا سيما اللاتين وهي - كما قال لنا الدكتور يعقوب صروف من دعاتهم وسماسرة سياستهم - أنهم يسمحون لأهل البلاد التي يسوسونها بشيء من ثروتها ومظاهر الحكم والجاه فيها يتمتعون به في ظلهم، من حيث يعترق الآخرون لحمها، وينتقون المخ من عظمها، ويستأثرون بالكبير والصغير من الحكم والنفوذ فيها، وقد قلدتهم دولة أخرى في نصب تماثيل للحكم في بعض مستعمراتها من أهلها؛ لكنها لم تدع لهم أدنى نصيب من مسمى الأسماء التي تفضلت عليهم بها، فكانت أضر على أهل بلادهم منها على أهل البلاد التي لم تنصب فيها شيئًا من هذه التماثيل.
وأما فضيلة الإنكليز العليا فهي أنهم أدنى إلى مراعاة سنن الاجتماع، ومسايرة ما يتجدد فيه من الأطوار والأحوال؛ ولكن بعد طول الروية والاختبار، والتنازع بين طرفي التفريط والإفراط، كما يعلم من الفرق البيِّن بين إدارتهم في مصر والسودان، وفي الهند وزنجبار، بسبب اختلاف حال كل من القطرين الزوجين المتقابلين في العلم والجهل، والقرب والبعد من قوة الرأي العام، وكما ظهر أخيرًا من التفاوت في تصرفهم وسياستهم في القطرين العربيين المتجاورين، فلسطين وشرق الأردن من جهة والعراق من جهة أخرى بسبب التفاوت بين حاليهما في القوة والضعف، ففي العراق مئات من الألوف الشاكي السلاح، وألوف كثيرة من الضباط العلماء بفنون القتال، وقد أضرموا نار ثورة قُتل فيها عشرات الألوف من الرجال، وأُنفق فيها الملايين من المال، ومن ورائهم زعماء سياسيون يعرفون كيف يطالبون بالحرية والاستقلال، وقد قربوا منهما، ولن يرضوا بما دونهما.